مجد الدين ابن الأثير
8
النهاية في غريب الحديث والأثر
ما تضمنت الأحاديث المودعة فيهما من تفسير وتأويل ، وزادا عليه فصارا أحق به وأملك له ، ولعل الشئ بعد الشئ منها قد يفوتهما . قال الخطابي : وأما كتابنا هذا فإني ذكرت فيه ما لم يرد في كتابيهما ، فصرفت إلى جمعه عنايتي ، ولم أزل أتتبع مظانها وألتقط آحادها ، حتى اجتمع منها ما أحب الله أن يوفق له ، واتسق الكتاب فصار كنحو من كتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه . قال : وبلغني أن أبي عبيد مكث في تصنيف كتابه أربعين سنة يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث والأثر ، والناس إذ ذاك متوافرون ، والروضة أنف ، والحوض ملآن . ثم قد غادر الكثير منه لمن بعده . ثم سعى له أبو محمد سعي الجواد ، فأسأر القدر الذي جمعناه في كتابنا ، وقد بقي من وراء ذلك أحاديث ذوات عدد لم أتيسر لتفسيرها تركتها ليفتحها الله على من يشاء من عباده ، ولكل وقت قوم ، ولكل نشئ علم . قال الله تعالى وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم . قلت : لقد أحسن الخطابي رحمة الله عليه وأنصف ، عرف الحق فقاله ، وتحرى الصدق فنطق به ، فكانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أمهات الكتب ، وهي الدائرة في أيدي الناس والتي يعول عليها علماء الأمصار ، إلا أنها وغيرها من الكتب المصنفة التي ذكرناها أو لم نذكرها لم يكن فيها كتاب صنف مرتبا ومقفى يرجع الانسان عند طلب الحديث إليه إلا كتاب الحربي ، وهو على طوله وعسر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد تعب وعناء ، ولا خفاء لما في ذلك من المشقة والنصب مع كون الحديث المطلوب لا يعرف في أي واحد من الكتب هو ، فيحتاج طالب غريب حديث إلى اعتبار جميع الكتب أو أكثرها حتى يجد غرضه من بعضها . فلما كان زمن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي صاحب الإمام أبي منصور الأزهري اللغوي ، وكان في زمن الخطابي وبعده وفي طبقته ، صنف كتابه المشهور السئر في الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث ، ورتبه مقفى على حروف المعجم على وضع لم يسبق في غريب القرآن والحديث إليه . فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من أماكنها وأثبتها في حروفها وذكر معانيها ، إذ كان الغرض والمقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمة الغريبة لغة وإعرابا ومعنى ، لا معرفة متون الأحاديث والأحاديث والآثار وطرق أسانيدها وأسماء رواتها ، فإن ذلك علم مستقبل بنفسه مشهور بين أهله .