مجد الدين ابن الأثير

107

النهاية في غريب الحديث والأثر

هذا النوع قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه . لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها لهم ، وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس لها ، ولا كانت في زمن أبي بكر ، وإنما عمر رضي الله عنه جمع الناس عليها وندبهم إليها ، فبهذا سماها بدعة ، وهي على الحقيقة سنة ، لقوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) وقوله ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر ( كل محدثة بدعة ) إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة . وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذم . وفي حديث الهدي ( فأزحفت عليه بالطريق فعي بشأنها إن هي أبدعت ) يقال أبدعت الناقة إذا انقطعت عن السير بكلال أو ظلع ، كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعا ، أي انشاء أمر خارج عما اعتيد منها . ومنه الحديث ( كيف أصنع بما أبدع علي منها ) وبعضهم يرويه أبدعت . وأبدع على ما لم يسم فاعله . وقال : هكذا يستعمل . والأول أوجه وأقيس . ( ه‍ ) ومنه الحديث ( أتاه رجل فقال إني أبدع بي فاحملني ) أي انقطع بي لكلال راحلتي . ( بدل ) [ ه‍ ] في حديث رضي الله عنه ( الأبدال بالشام ) هم الأولياء والعباد ، الواحد بدل كحمل وأحمال ، وبدل كجمل ، سموا بذلك لأنهم كلما مات واحد منهم أبدل بآخر . ( بدن ) ( ه‍ ) فيه ( لا تبادروني بالركوع والسجود ، إني قد بدنت ) قال أبو عبيد هكذا روي في الحديث بدنت ، يعني بالتخفيف ، وإنما هو بدنت بالتشديد : أي كبرت وأسننت ، والتخفيف من البدانة وهي كثرة اللحم ، ولم يكن صلى الله وسلم سمينا . قلت : قد جاء في صفته صلى الله عليه وسلم في حديث ابن أبي هالة : بادن متماسك ، والبادن الضخم ، فلما قال بادن أردفه بمتماسك ، وهو الذي يمسك بعض أعضائه بعضا ، فهو معتدل الخلق . ومنه الحديث ( أتحب أن رجلا بادنا في يوم حار غسل ما تحت إزاره ثم أعطاكه فشربته ) .