محمد بن جرير الطبري ( الشيعي )

مقدمة التحقيق 5

نوادر المعجزات

السماوات والأرض ، وإنه إله إلا هو خالق كل شئ وهو على كل شئ قدير . وبالجملة فرسالات الأنبياء لا تنحصر بمثل إثبات الخالق بل تتعداها إلى أنواع المعارف الإلهية ، وغيبه وأحكامه وثوابه وعقابه في يوم القيامة ، يوم يحيي فيها الموتى بعد ما صارت العظام رميما . ومن غرائب النفوس البشرية البسيطة ، أنها قاصرة عن إدراك تلك المعارف الغيبية - قبل أن تشاهدها - إلا بدلائل صدق مدعيها عقلا ، فالعقل يحكم بضرورة إتيان المعجزة وبأن من أتى بها حقا فهو صادق في دعواه بالرسالة منه تعالى . كما مر على الأمم السالفة كذلك ، وينطق القرآن الكريم بما يحكيه لنا من قصص ثلة من الأنبياء مع أممهم ولقد قالوا لهم : إئتونا بآية ! فجاءوهم بآيات بينات ، فهذه الفطرة باقية ، والسنة جارية وحجة الله بالغة إلى يوم القيامة ، وهذه مشيئة الباري تعالى - بالنسبة إلى عامة الأنبياء - في تعزيز رسالته بالقوة الدامغة والبراهين الساطعة بواسطة أنبيائه وأوصيائهم عليهم السلام . وأما خاتمهم إلى آخر الدهر فهو أفضل الأنبياء ، وأكملت رسالته بخير الأوصياء - علي وبنيه - الأئمة والقادة المعصومين ، الذين خلقهم تعالى من نوره قبل أن يخلق الخلق ، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فهم الادلاء عليه سبحانه ، كما أعطاهم من الفضل وكثرة الكرامات ما لم يعط أحدا قبلهم ، ووهبهم المعجزات وسخر لهم كل شئ باذنه تعالى ، ليظهر بهم دينه حتى تقوم الساعة ولو كره الكافرون . فإذا كان ( آصف بن برخيا ) الذي آتاه الله تعالى علما من الكتاب ، أتى بعرش بلقيس قبل أن يرتد الطرف ، فحقيق على الله تعالى أن يطلع من أنباء الغيب من عنده علم الكتاب الأئمة الأطهار الاثني عشرة عليهم السلام بواسطة نبيه محمد صلى الله عليه وآله كما قال تعالى : ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) والرسول الكريم بدوره أطلع الأئمة بما أنبأه الله تعالى إماما بعد إمام ، والأئمة كلهم واحد ، وأولهم وآخرهم واحد ، كما قال الصادق عليه السلام : " المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا " وقال : من " أنكر واحدا من الاحياء فقد أنكر الأموات " .