الذهبي

259

سير أعلام النبلاء

فأحضر ، فقال : يا طالوت ، أخبرني لو أن أباك أو ابنك ملك هذه الدار ، أكنت فيها في الاكرام والبر على ما كنت أفعل معك ؟ ألم أفعل كذا ؟ ألم أمش في جنازة امرأتك ، ورجعت معك إلى دارك ؟ أفما رضيت إلا بسفك دمي ؟ فقال الفقيه في نفسه : لا أجد أنفع من الصدق . فقال : إني كنت أبغضك لله فلم يمنعك ما صنعت معي لغير الله ، وإني لمعترف بذلك ، أصلحك الله . فوجم الخليفة وقال : اعلم أن الذي أبغضتني له قد صرفني عنك ، فانصرف في حفظ الله ، ولست بتارك برك ، وليت الذي كان لم يكن ، ولكن أين ظفر بك أبو البسام لا كان ، فقال : أنا أظفرته بنفسي ، وقصدته . قال : فأين كنت في عامك ؟ قال : في دار يهودي ، حفظني لله ، فأطرق الخليفة مليا ، ورفع رأسه إلى أبي البسام وقال : حفظه يهودي ، وستر عليه لمكانه من العلم والدين ، وغدرت به إذ قصدك وخفرت ذمته ، لا أرانا الله في القيامة وجهه إن رأينا لك وجها . وطرده وكتب لليهودي كتابا بالجزية فيما ملك ، وزاد في إحسانه ، فلما رأى اليهودي ذلك ، أسلم مكانه ( 1 ) . قال ابن مزين : وكان أهل طليطلة لهم نفوس أبية ، وكانوا لا يصبرون على ظلم بني أمية ، فإن ولاتهم كان فيهم ظلم وتعد ، فكانوا يثبون على الوالي ويخرجونه ، فولى عليهم الحكم عمروسا ( 2 ) ، رجلا منهم . وكان عمروس داهية ، فداخل الحكم ، وعمل على رؤوس أهل طليطلة حتى قتل جماعة منهم .

--> ( 1 ) انظر " المغرب " 1 / 43 ، و " نفح الطيب " 2 / 639 . ( 2 ) هو عمروس بن يوسف والي الحكم على الثغر ، وأحد المتفانين في الاخلاص له ، وإن كانت بدرت منه بادرة عصيان ، ويشتهر بذبحه للزعماء المنشقين في فناء قصره كما ذكر المؤلف فيما بدع . انظر ابن خلدون 4 / 126 .