الذهبي
114
سير أعلام النبلاء
قلت : يريد أن الأوزاعي حديثه ضعيف من كونه يحتج بالمقاطيع ، وبمراسيل أهل الشام ، وفي ذلك ضعيف ، لا أن الامام في نفسه ضعيف . قال الوليد بن مسلم : رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه ، يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ويخبرنا عن السلف : أن ذلك كان هديهم ، فإذا طلعت الشمس ، قام بعضهم إلى بعض ، فأفاضوا في ذكر الله ، والتفقه في دينه . عمر بن عبد الواحد : عن الأوزاعي ، قال : دفع إلي الزهري صحيفة ، فقال : اروها عني . ودفع إلى يحيى بن أبي كثير صحيفة ، فقال : اروها عني . فقال ابن ذكوان : حدثنا الوليد قال : قال الأوزاعي : نعمل بها ، ولا نحدث بها - يعني الصحيفة - . قال الوليد : كان الأوزاعي يقول : كان هذا العلم كريما ، يتلاقاه الرجال بينهم ، فلما دخل في الكتب ، دخل فيه غير أهله . وروى مثلها ابن المبارك ، عن الأوزاعي . ولا ريب أن الاخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه خلل ، ولا سيما في ذلك العصر ، حيث لم يكن بعد نقط ولا شكل ، فتتصحف الكلمة بما يحيل المعنى ، ولا يقع مثل ذلك في الاخذ من أفواه الرجال ، وكذلك التحديث من الحفظ يقع فيه الوهم ، بخلاف الرواية من كتاب محرر ( 1 ) . محمد بن عوف : حدثنا هشام بن عمار : سمعت الوليد يقول : احترقت
--> ( 1 ) ولهذا كان العلماء لا يعتدون بعلم الرجل إذا كان مأخوذا عن الصحف ، ولم يتلق من طريق الرواية والمذاكرة والدرس والبحث . وإلى مثل هذا أشار ابن سلام في مقدمة " طبقاته " عندما كان يتحدث عن أسباب نحل الشعر التي منها الاخذ عن الصحف دون الرواية فقال ( 1 / 4 ) : " وقد تداوله [ أي الشعر ] قوم من كتاب إلى كتاب ، لم يأخذوه عن أهل البادية ، ولم يعرضوه على العلماء . وليس لاحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شئ منه ، أن يقبل من صحيفة ، ولا يروي عن صحفي " .