الذهبي

115

سير أعلام النبلاء

كتب الأوزاعي زمن الرجفة ( 1 ) ثلاثة عشر قنداقا ( 2 ) ، فأتاه رجل بنسخها ، فقال : يا أبا عمرو ! هذه نسخة كتابك ، وإصلاحك بيدك ، فما عرض لشئ منها حتى فارق الدنيا . وقال بشر بن بكر التنيسي : قيل للأوزاعي : يا أبا عمرو ! الرجل يسمع الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه لحن ، أيقيمه على عربيته ؟ قال : نعم ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلم إلا بعربي . قال الوليد بن مسلم : سمعت الأوزاعي يقول : لا بأس بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث ( 3 ) . منصور بن أبي مزاحم ، عن أبي عبيد الله كاتب المنصور ، قال : كانت ترد على المنصور كتب من الأوزاعي نتعجب منها ، ويعجز كتابه عنها ، فكانت تنسخ في دفاتر ، وتوضع بين يدي المنصور ، فيكثر النظر فيها استحسانا لألفاظها ، فقال لسليمان بن مجالد - وكان من أحظى كتابه عنده - : ينبغي أن تجيب الأوزاعي عن كتبه جوابا تاما . قال : والله يا أمير المؤمنين ، ما أحسن ذلك ، وإنما أرد عليه ما أحسن ، وإن له نظما في الكتب لا أظن أحدا من جميع الناس يقدر على إجابته عنه ، وأنا أستعين بألفاظه على من لا يعرفها ممن نكاتبه في الآفاق .

--> ( 1 ) الرجفة : زلزلة عظيمة أصابت الشام سنة ( 130 ه‍ ) ، وكان أكثرها ببيت المقدس ، فهلك كثير ممن كان فيها من الأنصار وغيرهم . " تاريخ الاسلام " : 5 / 39 . ( 2 ) القنداق : صحيفة الحساب . كما في " لسان العرب " . ( 3 ) ذكره الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " : 524 عنه . وفي " الالماع " : 185 ، عن الأوزاعي : أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عربا . وفي " المحدث الفاصل " : 526 ، عن الميموني ، قال : رأيت أحمد بن حنبل يغير اللحن في كتابه . وفيه أيضا عن الحسن بن محمد الزعفراني ، وقد سئل عن الرجل يسمع الحديث ملحونا أيعر به ؟ قال : نعم . وعن الأصمعي : إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار " لأنه لم يكن يلحن ، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه . ذكره القاضي عياض في " الالماع " : 184 ، والصنعاني في " توضيح الأفكار " : 2 / 294 .