الذهبي
554
سير أعلام النبلاء
القرآن والصلاح ، والله أعلم بسريرته ، فأخبرني أنه عرض له نفر من أهل حروراء فقالوا له : زكاتك التي تؤديها إلى الامراء لا تجزئ عنك ، لأنهم لا يضعونها في مواضعها فأدها إلينا ، ورأيت يا أبا عبد الله أن كلامك أشفى له من كلامي ، فقال : يا ذا خولان ، أتريد أن تكون بعد الكبر حروريا تشهد على من هو خير منك بالضلالة ؟ فماذا أنت قائل لله غدا حين يقفك ؟ ؟ الله ؟ ومن شهدت عليه ، فالله يشهد له بالايمان ، وأنت تشهد عليه بالكفر ، والله يشهد له بالهدى ، وأنت تشهد عليه بالضلالة ، فأين تقع إذا خالف رأيك أمر الله ، وشهادتك شهادة الله ؟ أخبرني يا ذا خولان ، ماذا يقولون لك ؟ فتكلم عند ذلك وقال لوهب : إنهم يأمرونني أن لا أتصدق إلا على من يرى رأيهم ولا أستغفر إلا له ، فقال : صدقت ، هذه محنتهم الكاذبة ، فأما قولهم في الصدقة ، فإنه قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن امرأة من أهل اليمن دخلت النار في هرة ربطتها ( 1 ) ، أفإنسان ممن يعبد الله يوحده ولا يشرك به أحب إلى الله أن يطعمه من جوع ، أو هرة ! ؟ والله يقول : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) [ الانسان : 8 ] الآيات . وأما قولهم لا يستغفر إلا لمن يرى رأيهم ، أهم خير أم الملائكة ، والله يقول : ( ويستغفرون لمن في الأرض ) [ الشورى : 5 ] فوالله ما فعلت الملائكة ذلك حتى أمروا به : ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [ الأنبياء : 27 ] وجاء ميسرا : ( ويستغفرون للذين آمنوا ) [ غافر : 7 ] . يا ذا خولان إني قد أدركت صدر الاسلام ، فوالله ما كانت الخوارج
--> ( 1 ) حديث الهرة أخرجه البخاري 6 / 254 في بدء الخلق باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ، ومسلم ( 2242 ) في البر والصلة باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض " .