الذهبي
21
سير أعلام النبلاء
الموحدين بالأندلس ، وذلك أنهم ابتلوا بالصلاح في الظاهر ، والأعمال الفاسدة في الباطن ، فأبغضهم الناس بغضا شديدا ، وتربصوا بهم الدوائر ، إلى أن نجم ابن هود في سنة خمس وعشرين وست مئة بشرق الأندلس فقام الناس كلهم بدعوته ، وتعصبوا معه ، وقاتلوا الموحدين في البلدان ، وحصروهم في القلاع ، وقهروهم ، وقتلوا فيهم ، ونصر على الموحدين ، وخلصت الأندلس كلها له ، وفرح الناس به فرحا عظيما ، فلما تمهد أمره أنشأ غزوة للفرنج على مدينة ماردة بغرب الأندلس ، واستدعى الناس من الأقطار ، فانتدب الخلق له بجد واجتهاد وخلوص نية المرتزقة والمطوعة ، واجتمع عليه أهل الأندلس كلهم ، ولم يبق إلا من حبسه العذر ، فدخل بهم إلى الإفرنج ، فلما تراءى الجمعان وقعت الهزيمة على المسلمين أقبح هزيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وكانت تلك الأرض مديسة بماء وعزق تسمرت فيها الخيل إلى آباطها ، وهلك الخلق ، وأتبعهم الفرنج بالقتل والأسر ولم يبق إلا القليل ، ورجع ابن هود في أسوأ حال إلى إشبيلية ، فنعوذ به من سوء المنقلب ، فلم تبق بقعة من الأندلس إلا وفيها البكاء والصياح العظيم والحزن الطويل ، فكانت إحدى هلكات الأندلس ، فمقت الناس ابن هود ، وصاروا يسمونه " المحروم " ولم يقدر أن يفعل مع الفرنج كبير فعل قط إلا مرة أخذ لهم غنما كثيرة جدا ، ثم قام عليه شعيب بن هلالة بلبلة ، فصالح ابن هود الأدفوش على محاصرة لبلة ومعاونته على أن يعطيه قرطبة ، واتفقا على ذلك ، وقال له : لا يسوغ أن يدخلها الفرنج على البديهة ، وإنما تهمل أمرها ، وتخليها من حرس ، ووجه أنت الفرنج يتعلقون بأسوارها بالليل ويغدرون بها ، ففعلوا كذلك . ووجه ابن هود إلى واليه بقرطبة فأعلمه بذلك وأمره بضياعها من حيز الشرقية فجاء الفرنج ، فوجدوه خاليا ، فجعلوا السلالم واستووا على السور فلا حول ولا قوة إلا بالله .