الذهبي
288
سير أعلام النبلاء
قلت : وحضر وفاته القاضي الفاضل . وذكر أبو جعفر القرطبي إمام الكلاسة ( 1 ) : إنني انتهيت في القراءة إلى قوله تعالى : * ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ) * [ الحشر : 22 ] فسمعت صلاح الدين ، وهو يقول : صحيح . وكان ذهنه قبل ذلك غائبا ( 2 ) ، ثم مات ، وغسله الخطيب الدولعي ، وأخرج في تابوت ، فصلى عليه القاضي محيي الدين ابن الزكي ، وأعيد إلى الدار التي في البستان التي كان متمرضا فيها ، ودفن في الصفة ، وارتفعت الأصوات بالبكاء ، وعظم الضجيج ، حتى إن العاقل ليخيل له أن الدنيا كلها تصيح صوتا واحدا ، وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه ، وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه . ثم بنى ولده الأفضل قبة شمالي الجامع ، ونقله إليها بعد ثلاث سنين ، فجلس هناك للغراء ثلاثا . وكان شديد القوى ، عاقلا ، وقورا ، مهيبا ، كريما ، شجاعا . وفي ( الروضتين ) لأبي شامة ( 3 ) : أن السلطان لم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ، ودينارا صوريا ، ولم يخلف ملكا ولا عقارا رحمه الله ، ولم يختلف عليه في أيامه أحد من أصحابه ، وكان الناس يأمنون ظلمه ، ويرجون رفده ، وأكثر ما كان يصل عطاؤه إلى الشجعان ، وإلى العلماء ، وأرباب البيوتات ، ولم يكن لمبطل ولا لمزاح عنده نصيب .
--> ( 1 ) كان الشيخ أبو جعفر قد استدعي ليبيت عنده يقرأ القرآن ، ويلقنه الشهادة عند حضور الوفاة ، وتوفي أبو جعفر هذا سنة 596 ، وستأتي ترجمته ( رقم : 156 ) . ( 2 ) وتمام الخبر أن القاضي الفاضل جاءه عند أذان الصبح ، وكان في آخر رمق ، فلما قرأ القارئ ( لا إله إلا هو عليه توكلت ) ، تبسم ، وتهلل وجهه ، وأسلم روحه إلى ربه سبحانه . ( 3 ) ( الروضتين ) .