الذهبي
208
سير أعلام النبلاء
بارعا في أصول الفقه ، مفرط الذكاء ، فصيحا ، لم يناظر أحدا إلا أربى عليه . قال الفخر المارديني ( 1 ) : ما أذكى هذا الشاب وأفصحه ، إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوره واستهتاره . قال : ثم إنه ناظر فقهاء حلب ، فلم يجاره أحد ، فطلبه الظاهر ، وعقد له مجلسا ، فبأن فضله ، فقربه الظاهر ، واختص به ، فشنعوا ، وعملوا محاضر بكفره ، وبعثوها إلى السلطان ، وخوفوه أن يفسد اعتقاد ولده ، فكتب إلى ولده بخط الفاضل ( 2 ) يأمره بقتله حتما ، فلما لم يبق إلا قتله ، اختار لنفسه أن يمات جوعا ، ففعل ذلك في أواخر سنة ست وثمانين ( 3 ) بقلعة حلب ، وعاش ستا وثلاثين سنة . قال ابن أبي أصيبعة : وحدثني إبراهيم بن صدقة الحكيم ، قال : خرجنا من باب الفرج معه ، فذكرنا السيمياء ، فقال : ما أحسن هذه المواضع ، فنظرنا من ناحية الشرق جواسق مبيضة كبيرة مزخرفة ، وفي طاقاتها نساء كالأقمار ومغاني ، فتعجبنا ، وانذهلنا ، فبقينا ساعة ، وعدنا إلى ما كنا نعهده ، إلا أني عند رؤية ذلك بقيت أحس من نفسي كأنني في سنة خفية ، ولم يكن إدراكي كالحالة التي أتحققها مني . وحدثني عجمي قال : كنا مع السهروردي بالقابون ( 4 ) ، فقلنا : يا مولانا ، نريد ( 5 ) رأس غنم ، فأعطانا
--> ( 1 ) منقول من ( طبقات الأطباء ) أيضا . ( 2 ) يعني القاضي الفاضل . ( 3 ) سيأتي القول بأن مقتله كان في أوائل سنة 587 . ( 4 ) قرية على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب . ( 5 ) في الأصل : ( تريد ) والتصحيح من ( تاريخ الاسلام ) و ( وفيات ) ابن خلكان .