الذهبي

42

سير أعلام النبلاء

وصلاحها بعد على أيديهم ، فخرج اللعين السليطين وابن هود في نحو من أربعين ألف فارس ، وتاشفين بالزهراء ، فقصد ابن هود جهة إشبيلية ، وبقي ينفق على جيوش السليطين نحو ثمانية أشهر ، وشرط عليهم أنهم لا يأسرون أحدا ، فحدثني المستنصر - وقد ندم على فعله من شيطنة الشبيبة وطلب ملك آبائه - فقال لي : الذي أنفقت في تلك السفرة من الذهب الخالص ثلاثة آلاف ألف دينار ، والذي دفعت إليهم من مخازن روطة من الدروع أربعون ( 1 ) ألف درع ، ومن البيض مثلها ، ومن الطوارق ثلاثون ( 2 ) ألفا ، وذكر لي جماعة أنه دفع إلى السليطين خيمة كان يحملها أربعون بغلا ، وذكر لي محمد ابن مالك الشاعر أنه أبصر تلك الخيمة ، قال : فما سمع بأكبر منها قط ، ولما طالت إقامته على البلاد ، ولم يخرج إلى ابن هود أحد ، رجع ومعه ابن هود ، ولم يكن مع ابن هود إلا نحو من مئتي فارس ، فأقام ابن هود بطليطلة ليذهب منها إلى حصونه التي عوض بها - وبئس للظالمين بدلا - ثم إن قرطبة اضطرب أمرها ، واشتغل أمير المسلمين بما دهمه من خروج التومرتية ( 3 ) ، فجاء المستنصر بالله أحمد من مدينة غرليطش ، وقصد قرطبة ، وكان محببا إلى الناس بالصيت ، فبرز إليه ابن حمدين زعيم قرطبة بعسكرها ، فقصد عسكرها نحو ابن هود طائعين ، ففر حينئذ ابن حمدين إلى بليدة ، ودخل ابن هود قرطبة بلا كلفة ولا ضربة ولا طعنة ، فاستوزر أبا سعيد المعروف بفرج الدليل ، وكاتب نواب البلاد ، ففرحوا به لأصالته في الملك ، ثم خرج فرج الدليل إلى حصن المدور ، فقيل لابن هود : قد نافق وفارق ، فخرج بنفسه ، واستنزله من

--> ( 1 ) في الأصل : أربعين . ( 2 ) في الأصل : ثلاثين . ( 3 ) هم جماعة محمد بن عبد الله ابن تومرت ، مهدي المغرب ، زعيم الموحدين ، مرت ترجمته في الجزء التاسع عشر برقم ( 318 ) ، وقد خلف بعده السلطان عبد المؤمن بن علي ، سترد ترجمته في هذا الجزء برقم ( 254 ) .