الذهبي

409

سير أعلام النبلاء

سنجقا ( 1 ) ، وصاحوا : نور الدين يا منصور . وفتر القتال ، وبادر قطاع خشب بفأسه ، فكسر قفل باب شرقي ، ودخل نور الدين ، وفرحت به الرعية ، فتحصن الملك مجير الدين بالقلعة طالبا للأمان ، ثم نزل ، فطيب نور الدين قلبه ، وخرج بأمواله إلى الدار الأتابكية ، ثم ذهب إلى حمص ، وكتب له بها منشور . وأقبلت الغز التركمان ، فنهبوا نيسابور ، وعذبوا وقتلوا بها ألوفا ، وخدموا السلطان سنجر ، وأخذوه معهم ، فصار في حال زرية بعد العز والملك ، يركب أكدشا ، وربما جاع . وفيها يوم الجمعة ثاني شوال وقعت صاعقة عظيمة في التاج الذي بدار الخلافة ، فتأججت فيه وفي القبة والدار ، فبقيت النار تعمل فيه تسعة أيام ، حتى أطفئت بعد أن صيرته كالحممة ، وكانت آية هائلة وكائنة مدهشة ، وكان هذا التاج من محاسن الدنيا ، أنشأه المكتفي في دولته ، وكان شاهقا بديع البناء ، ثم رم شعثه وطري . وفي سنة خمسين وخمس مئة سار المقتفي إلى الكوفة ، واجتاز بسوقها ، وقتل في العام الماضي الظافر بمصر ، وقدم طلائع بن زريك من الصعيد للاخذ بثأر الظافر من قاتله عباس ، ففر عباس نحو الشام بأمواله ، فأخذته فرنج عسقلان ، فقتلوه ، وباعوا ابنه نصرا للمصريين ، واضطرب أمر مصر ، وعزمت الفرنج على أخذها ، وأرست مراكب جاءت من صقلية على تنيس ، فهجموها ، وقتلوا ، وسبوا ، وافتتح نور الدين قلاعا للفرنج وبعض بلاد الروم بالأمان ، واتسع ملكه ، فبعث إليه المقتفي تقليدا ، ولقبه بالملك العادل ، وأمره بقصد مصر .

--> ( 1 ) السنجق تقدم التعريف به في حواشي الترجمة ( 124 ) .