الذهبي

542

سير أعلام النبلاء

أوذي بمكة ، فراح إلى مصر ، وبالغ في الانكار ، فطردوه ، وآذوه ، وكان إذا خاف من البطش به خلط وتباله . ثم سكن الثغر مدة ، ثم ركب البحر إلى المغرب ، وقد رأى أنه شرب ماء البحر مرتين ، وأخذ ينكر في المركب على الناس ، وألزمهم بالصلاة ، فآذوه ، فقدم المهدية ( 1 ) وعليها ابن باديس ، فنزل بمسجد معلق ، فمتى رأى منكرا أو خمرا ، كسر وبدد ، فالتف عليه جماعة واشتغلوا عليه ، فطلبه ابن باديس ، فلما رأى حاله ، وسمع كلامه ، سأله الدعاء ، فقال : أصلحك الله لرعيتك . وسار إلى بجاية ، فبقي ينكر كعادته ، فنفي ، فذهب إلى قرية ملالة ، فوقع بها بعبد المؤمن ( 2 ) الذي تسلطن ، وكان أمرد عاقلا ، فقال : يا شباب ، ما اسمك ؟ قال : عبد المؤمن ، قال : الله أكبر ، أنت طلبتي ، فأين مقصدك ؟ قال : طلب العلم ، قال : قد وجدت العلم والشرف ، اصحبني ، ونظر في حليته ، فوافقت ما عنده مما قيل : إنه أطلع على كتاب الجفر ( 3 ) ، فالله أعلم ، فقال : ممن أنت ؟ قال من

--> ( 1 ) مدينة محدثة بساحل إفريقية بينها وبين القيروان ستون ميلا ، والبحر محيط بها من جهاتها الثلاثة ، بناها عبيد الله الشيعي الخارج على بني الأغلب ، وهو سماها المهدية نسبها إلى نفسه ، وكان ابتداء بنيانها في سنة ثلاث مئة " الروض المعطار " : ص 561 . ( 2 ) عبد المؤمن بن علي القيسي المتوفى 558 ه‍ ، وسترد ترجمته في الجزء العشرين برقم ( 254 ) . ( 3 ) الجفر بفتح الجيم وسكون الفاء من أولاد المعز : ما بلغ أربعة أشهر ، والمراد هنا جلد المعز الذي كتب فيه ، وهذا الكتاب يزعم الامامية أن جعفر الصادق رحمه الله كتب لهم فيه كل ما يحتاجون إليه ، وكل ما سيقع ويكون إلى يوم القيامة ، وكان مكتوبا عنده في جلد ماعز ، فكتبه عنه هارون بن سعيد العجلي رأس الزيدية ، وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه ، وهذا زعم باطل ، فإن جعفرا الصادق كجده أمير المؤمنين لا يعلم الغيب ، وقد ثبت عن جده أمير المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخصه بشئ من دون أصحابه كما في صحيح البخاري ( 111 ) و ( 1870 ) و ( 3172 ) و ( 3179 ) و ( 6755 ) و ( 6903 ) و ( 6915 ) و ( 7300 ) من طريق أبي جحيفة السوائي ، قال : سألت عليا رضي الله عنه : هل عندكم شئ مما ليس في القرآن ، أو ما ليس عند الناس ؟ فقال : والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في كتابه ، وما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : فما هذه الصحيفة ؟ قال : " العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر " . قال الحافظ ابن حجر : وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لان جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت - لا سيما عليا - أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بها لم يطلع غيرهم عليها . ونقل العيني في " عمدته " : 1 / 161 عن ابن بطال قوله : فيه ما يقطع بدعة الشيعة والمدعين على علي رضي الله عنه أنه الوصي ، وأنه المخصوص بعلم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرفه غيره حيث قال : ما عنده إلا ما عند الناس من كتاب الله ، ثم أحال على الفهم الذي الناس فيه على درجاتهم ولم يخص نفسه بشئ غير ما هو ممكن في غيره . على أن الكتاب لا تصح نسبته إلى جعفر الصادق رحمه الله ، والذين نسبوه إليه من أجهل الناس بمعرفة المنقولات والأحاديث والآثار ، والتمييز بين صحيحها وضعيفها ، وعمدتهم في المنقولات التواريخ المنقطعة الاسناد ، وكثير منها من وضع من عرف بالكذب والاختلاق ، كأبي مخنف لوط ، وهشام بن محمد بن السائب ، وأمثالهما ، وغير خاف على طلبة العلم أن ما لا يعلم إلا من طريق النقل لا يمكن الحكم بثبوته إلا بالرواية الصحيحة السند ، فإذا لم توجد ، فلا يسوغ لنا شرعا وعقلا أن نقول بثبوته ، وانظر " أبجد العلوم " 2 / 214 - 216 ، و " لقطة العجلان " كلاهما لصديق حسن خان ، ومجلة المنار 4 / 60 للسيد رشيد رضا .