الذهبي

492

سير أعلام النبلاء

وقال إبراهيم بن مهدي بن قلينا : كان شيخنا أبو بكر زهده وعبادته أكثر من علمه ، وحكى بعض العلماء أن أبا بكر الطرطوشي أنجب عليه نحو من مئتي فقيه مفتي ، وكان يأتي إلى الفقهاء وهم نيام ، فيضع في أفواههم الدنانير ، فيهبون ، فيرونها في أفواههم . قال القاضي شمس الدين ابن خلكان : دخل الطرطوشي على الأفضل ابن أمير الجيوش بمصر ، فبسط تحته مئزره ، وكان إلى جانب الأفضل نصراني ، فوعظ الأفضل حتى أبكاه ( 1 ) ، ثم أنشده : يا [ ذا ] الذي طاعته قربة * وحقه مفترض واجب إن الذي شرفت من أجله * يزعم هذا أنه كاذب وأشار إلى ذلك النصراني ، فأقام الأفضل النصراني من موضعه . وقد صنف أبو بكر كتاب " سراج الملوك " ( 2 ) للمأمون بن البطائحي

--> ( 1 ) فكان مما قال له كم في " نفح الطيب " : 2 / 87 : إن الامر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك ، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك ، فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة ، فإن الله عز وجل سائلك عن النقير والقطمير والفتيل ، واعلم أن الله عز وجل آتي سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها ، فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم ، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، ورفع عنه حساب ذلك أجمع ، فقال عز من قائل : * ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) * فما عد ذلك نعمة كما عددتموها ، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها ، بل خاف أن يكون استدراجا من الله عز وجل ، فقال : * ( هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) * فافتح الباب ، وسهل الحجاب ، وانصر المظلوم . ( 2 ) وهو من أمتع الكتب ، وأجودها في بابها ، وكفى به دليلا على فضله ، يقال : إنه كتب على اللوحة الأولى منه هذان البيتان : الناس يهدون على قدرهم * لكنني أهدي على قدري يهدون ما يفنى وأهدي الذي * يبقى على الأيام والدهر