الذهبي

541

سير أعلام النبلاء

أمية لا نكتب ولا نحسب " ( 1 ) . أي لان أكثرهم كذلك ، وقد كان فيهم الكتبة قليلا . وقال تعالى : * ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) * [ الجمعة : 2 ] . فقوله عليه السلام : " لا نحسب " حق ، ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب ، وقسم الفئ ، وقسمة المواريث بالحساب العربي الفطري لا بحساب القبط ولا الجبر والمقابلة ، بأبي هو ونفسي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان سيد الأذكياء ، ويبعد في العادة أن الذكي يملي الوحي وكتب الملوك وغير ذلك على كتابه ، ويرى اسمه الشريف في خاتمه ، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطول ، ولا يخرج بذلك عن أميته ، وبعض العلماء عد ما كتبه يوم الحديبية من معجزاته ، لكونه لا يعرف الكتابة وكتب ، فإن قيل : لا يجوز عليه أن يكتب ، فلو كتب ، لارتاب مبطل ، ولقال : كان يحسن الخط ، ونظر في كتب الأولين . قلنا : ما كتب خطا كثيرا حتى يرتاب به المبطلون ، بل قد يقال : لو قال مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه : لا أعرف أن أكتب اسمي الذي في خاتمي ، لارتاب المبطلون أيضا ، ولقالوا : هو غاية في الذكاء ، فكيف لا يعرف ذلك ؟ بل عرفه ، وقال : لا أعرف . فكان يكون ارتيابهم أكثر وأبلغ في إنكاره ، والله أعلم . وأما الحافظ أبو القاسم بن عساكر ، فذكر أن أبا الوليد قال : كان أبي من باجة القيروان ، تاجرا يختلف إلى الأندلس ( 2 ) .

--> ( 1 ) أخرجه من حديث عبد الله بن عمر البخاري ( 1913 ) في الصوم : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب ، ومسلم ( 1080 ) ( 15 ) في الصيام : باب وجوب صوم رمضان لرؤيته ، وأبو داود ( 2319 ) ، والنسائي 4 / 139 و 140 ، وأحمد 2 / 43 و 52 و 122 و 129 . ( 2 ) انظر " تهذيب تاريخ ابن عساكر " 6 / 251 .