الذهبي
473
سير أعلام النبلاء
قال الفقيه غانم الموشيلي ( 1 ) ، سمعت الامام أبا المعالي يقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام . قال أبو المعالي في كتاب " الرسالة النظامية " ( 2 ) : اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة ، وامتنع على أهل الحق فحواها ( 3 ) ، فرأى بعضهم تأويلها ، والتزم ذلك في القرآن ، وما يصح من السنن ، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها : وتفويض معانيها إلى الرب تعالى ، والذي نرتضيه رأيا ، وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة ، فالأولى الاتباع ( 4 ) ، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة ، وهو مستند معظم الشريعة ، وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الاسلام المستقلون بأعباء الشريعة ، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها ، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الاضراب عن التأويل ، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع ، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى
--> ( 1 ) " الموشيلي " وهو كتاب النصارى ، وقال ابن الأثير ، إن موشيلي هو من أسماء رجال النصارى ومعناه بالعربية موسى ، ولعل بعض أجداده كان اسمه كذلك فنسب إليه . انظر اللباب 3 / 269 . ( 2 ) وتسمى " العقيدة النظامية " أيضا ، وقد طبعت بتصحيح الشيخ المحدث محمد زاهد الكوثري عام 1367 ه 1948 م . انظر ص 23 وما بعدها . ( 3 ) في النظامية المطبوعة بتحقيق العلامة الكوثري ص ، 23 ، بعد هذه العبارة ما نصه : وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان منها . ( 4 ) في المطبوعة 23 ، فالأولى الاتباع وترك الابتداع .