الذهبي
189
سير أعلام النبلاء
بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن ، فلما عدت ، وجدت القول بالظاهر قد ملا به المغرب سخيف كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم ، نشأ وتعلق بمذهب الشافعي ، ثم انتسب إلى داود ، ثم خلع الكل ، واستقل بنفسه ، وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع ، ويحكم ويشرع ، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه ، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرا للقلوب منهم ، وخرج عن طريق المشبهة في ذات الله وصفاته ، فجاء فيه بطوام ، واتفق كونه بين ( 1 ) قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل ، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا ( 2 ) ، فيتضاحك مع أصحابه منهم ، وعضدته الرئاسة بما كان عنده من أدب ، وبشبه كان يوردها على الملوك ، فكانوا يحملونه ، ويحمونه ، بما كان يلقي إليهم من شبه البدع والشرك ، وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة ، ونار ضلالهم لافحة ، فقاسيتهم مع غير أقران ، وفي عدم أنصار إلى حساد يطؤون عقبي ، تارة تذهب لهم نفسي ، وأخرى ينكشر ( 3 ) لهم ضرسي ، وأنا ما بين إعراض عنهم أو تشغيب بهم ، وقد جاءني رجل بجزء لابن حزم سماه " نكت الاسلام " ، فيه دواهي ، فجردت عليه نواهي ، وجاءني آخر برسالة في الاعتقاد ، فنقضتها برسالة " الغرة " ( 4 ) ، والامر أفحش من أن ينقض . يقولون ، لا قول إلا ما قال الله ، ولا نتبع إلا رسول الله ، فإن الله لم يأمر بالاقتداء بأحد ، ولا بالاهتداء بهدي بشر . فيجب أن يتحققوا أنهم ليس لهم دليل ، وإنما هي سخافة في تهويل ، فأوصيكم بوصيتين : أن لا تستدلوا عليهم ، وأن تطالبوهم بالدليل ، فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغب
--> ( 1 ) في الأصل : " من " والمثبت من " تذكرة الحفاظ " 3 / 1149 . ( 2 ) أي : " جبنوا " . ( 3 ) في " تذكرة الحفاظ " : تنكسر . ( 4 ) في طبعة المجمع : " العزة " بالعين المهملة والزاي .