الذهبي
490
سير أعلام النبلاء
وصحنا : رسول رسول . فكفوا عن الرمي ، فأدخلنا على الملك ، وهو شاب مليح الوجه على سرير فضة ، فخدمته بأن صفقت بيدي ، وانحنيت عليهما ، وقلت : جو . فكان جوابه : باه . وأجلسني ، وقربني ، وأخذ يشكو ما لحق البلاد من الخراب ، ثم لبس الخلعة بعد تمنع ، وتعمم له تركي ، وطالبته بالحلف ، قال : نحلف بالأصنام والنار ، وأنتم لا تقنعون بذلك . قلت : لابد وأحجمت عن ذكر الإصبع ، فأخرج حديدة قطع بها أصبعه الصغرى ولم يكترث ، وعمل على يده كافورا ، ودفعت إلي وقال : قل لصاحبك : اكفف عن أذى الرعية . فرجع السلطان إلى خراسان ، ونفذ إليه ابن مروان صاحب ديار بكر هدية ، فردها وقال : لم أردها استقلالا ، ولكن علمت أن قصدك المخالطة والمصادقة ، ويقبح بي أن أصادق من لا أقدر أن أنصره ، وربما طرقك عدو وأنا على ألف فرسخ منك ، فلا أتمكن من نصرتك . ثم بلغ السلطان أن الهنود قالوا : أخرب أكثر بلاد الهند غضب الصنم الكبير سومنات على سائر الأصنام ومن حولها ، فعزم على غزو هذا الوثن ، وسار يطوي القفار في جيشه إليه ، وكانوا يقولون : إنه يرزق ويحيي ويميت ويسمع ويعي ، يحجون إليه ، ويتحفونه بالنفائس ، ويتغالون فيه كثيرا ، فتجمع عند هذا الصنم مال يتجاوز الوصف ، وكانوا يغسلونه كل يوم بماء وعسل ولبن ، وينقلون إليه الماء من نهر حيل مسيرة شهر ، وثلاث مئة يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم ، وثلاث مئة يغنون . فسار الجيش من غزنة ، وقطعوا مفازة صعبة ، وكانوا ثلاثين ألف فارس وخلقا من الرجالة والمطوعة ، وقوى المطوعة بخمسين ألف دينار ، وأنفق في الجيش فوق الكفاية ، وارتحل من المليا ثاني يوم الفطر سنة 416 ، وقاسوا مشاق ، وبقوا لا يجدون الماء إلا بعد ثلاث ، غطاهم في يوم ضباب عظيم ، فقالت