الذهبي

126

سير أعلام النبلاء

القصر ، فقالت : يا منصور ! يفرح الناس وأبكي ؟ إن ابني أسير في بلاد الروم . فثنى عنانه وأمر الناس بغزو الجهة التي فيها ابنها . وقد عصاه مرة ولد له ، فهرب ، ولجأ إلى ملك سمورة ، فغزاها المنصور ، وحاصرها ، وحلف ألا يرحل إلا بابنه ، فسلموه إليه ، فأمر بقتله ، فقتل بقرب سمورة . ومن رجلة المنصور : أنه أحيط به في مدينة فتة ، فرمى بنفسه من أعلى جبلها ، وصار في عسكره ، فبقي مفدع ( 1 ) القدمين لا يركب ، إنما يصنع له محمل على بغل يقاد به في سبع غزوات وهو بضعة لحم ، فانظر إلى هذه الهمة العلية ، والشجاعة الزائدة . وكان موته آخر الصلاح وأول الفساد بالأندلس ، لان أفعاله كانت حسنة في الحال ، فاسدة في المآل ، فكانت قبله القبائل ، كل قبيلة في مكان ، فإذا كان غزو ، وضعت الخلفاء على كل قبيلة عددا ، فيغزون ، فلما استولى المنصور ، أدخل من صنهاجة ونفزن عشرين ألفا إلى الأندلس ، وشتت العرب عن مواضعها ، وأخملهم ، وأبقى على نفسه لكونه ليس من بيوت الملك ، ثم قتل في بني أمية جماعة ، واحتاط على المؤيد ، ومنعه من الاجتماع بأحد ، وربما أخرجه لهم في يوم العيد للهناء ، فلما مات المنصور وابنه المظفر أبو مروان ، انخرم النظام ، وشرع الفساد ، وهلك الناس ، فقام شنجول وطغى وبغى ، وفعل العظائم ، والمؤيد بالله تحت الاحتجار ، فدس على المؤيد من خوفه وهدده ، وأعلمه أنه عازم على قتله إن لم يوله عهده ، ثم أمر شنجول القضاة والاعلام بالمثول إلى القصر الذي بالزهراء ،

--> ( 1 ) الفدع محركة : عوج وميل في المفاصل ، كأن المفاصل قد زالت عن مواضعها ، لا يستطاع بسطها معه ، وأكثر ما يكون في الرسغ من اليد والقدم .