الذهبي
75
سير أعلام النبلاء
وكنت قد لقيته بالرقة سنة سبعين ومئتين ، فسألني عن الجنيد ، فقلت : إنهم يشيرون إلى شئ يسمونه الفرق الثاني والصحو ، فقال : أذكر لي شيئا منه ، فذكرته ، فضحك وقال : ما يقول ابن الخلنجي ؟ قلت : ما يجالسهم . قال : فأبو أحمد القلانسي ؟ قلت : مرة يخالفهم ، ومرة يوافقهم . قال : فما تقول أنت ؟ قلت : ما عسى أن أقول أنا ؟ ثم قلت : أحسب أن هذا الذي يسمونه فرقا ثانيا هو عين من عيون الجمع ، يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع ، فقال : هو كذلك ، أنت إنما سمعت هذا من القلانسي . قلت : لا . فلما قدمت بغداد ، حدثت أبا أحمد القلانسي بذلك ، فأعجبه قول النوري . وأما أبو أحمد فكان ربما يقول : هو صحو وخروج عن الجمع ، وربما قال : بل هو شئ من الجمع . ثم إن النوري شاهدهم فقال : ليس هو عين من عيون الجمع ، ولا هو صحو من الجمع ، ولكنهم رجعوا إلى ما يعرفون ، ثم يعد ذلك ذكر رويم وابن عطاء : أن النوري يقول الشئ وضده ، ولا نعرف هذا إلا قول سوفسطا ومن قال بقوله ( 1 ) . وكان بينهم وحشة ، وكان يكثر منهم التعجب ، وقالوا للجنيد فأنكر عليهم وقال : لا تقولوا مثل هذا لأبي الحسين ، ولكنه رجل لعله قد تغير دماغه . ثم إن أبا الحسين انقبض عن جميعهم ، وجفاهم ، وغلبت عليه العلة ، وعمي ، ولزم الصحارى ، والمقابر ، وكانت له في ذلك أحوال يطول شرحها . وسمعت جماعة يقولون : من رأى النوري بعد قدومه من الرقة ، ولم يكن رآه قبلها فكأنه لم يره لتغيره ، رحمه الله .
--> ( 1 ) وهم السوفسطائيون : فرقة من الفلاسفة ، ينكرون المحسوسات والبدهيات ، ويعدون الوجود خيالا في خيال . انظر ما كتبه محمد فريد وجدي عن السوفسطائية في " دائرة معارف القرن العشرين " 5 / 171 173 . وقد عرف شيخ الاسلام السفسطة ، فقال : هي نفي الحقيقة ، أو التردد فيها ، أو جعلها تابعة لظنون الغير .