الذهبي

68

سير أعلام النبلاء

قال أبو العرب عمن حدثه : كان الذين يحضرون مجلس سحنون من العباد أكثر من الطلبة ، كانوا يأتون إليه من أقطار الأرض . ولما ولي سحنون القضاء بأخرة عوتب ، فقال : ما زلت في القضاء منذ أربعين سنة ، هل الفتيا إلا القضاء ( 1 ) ؟ ! . . قيل : إن الرواة عن سحنون بلغوا تسع مئة . وأصل " المدونة " أسئلة . سألها أسد بن الفرات لابن القاسم . فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم ، فأصلح فيها كثيرا ، وأسقط ، ثم رتبها سحنون ، وبوبها . واحتج لكثير بن مسائلها بالآثار من مروياته ، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها ، بل رأي محض . وحكوا أن سحنون في أواخر الامر علم عليها ، وهم بإسقاطها وتهذيب " المدونة " ، فأدركته المنية رحمه الله . فكبراء المالكية ، يعرفون تلك المسائل ، ويقررون منها ما قدروا عليه ، ويوهنون ما ضعف دليله . فهي لها أسوة بغيرها من دوواين الفقه . وكل أحد فيؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ذاك القبر صلى الله عليه وسلم تسليما . فالعلم بحر بلا ساحل ، وهو مفرق في الأمة ، موجود لمن التمسه . وتفسير سحنون بأنه اسم طائر بالمغرب ( 2 ) ، يوصف بالفطنة والتحرز ، وهو بفتح السين وبضمها .

--> ( 1 ) ثمت فرق بين الفتيا والقضاء ، فالفتيا تبليغ محض ، والقضاء إنشاء وإلزام . قال القرافي في " الفروق " 4 / 53 : الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى ، ويجب على السامع اعتقادهما ، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة ، لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة ، والحكم إخبار معناه الانشاء والالزام من قبل الله تعالى . ( 2 ) في " ترتيب المدارك " 2 / 586 ، و " الديباج المذهب " 2 / 30 : لحدته في المسائل .