الذهبي
39
سير أعلام النبلاء
قد صح عندي أن المنتصر عامل على قتلي ، فاقتله . قال : كيف بقتله والمتوكل باق ؟ إذا يقيدكم به ، قال : فما الرأي ؟ قال : نبدأ به ، قال : ويحك وتفعل ؟ ! قال : نعم . قال : فادخل على أثري ، فإن قتلته ، وإلا فاقتلني ، وقل : أراد أن يقتل مولاه . فتم التدبير ، وقتل المتوكل . وحدث البحتري قال : اجتمعنا في مجلس المتوكل ، فذكر له سيف هندي ، فبعث إلى اليمن ، فاشتري له بعشرة آلاف ، فأعجبه . وقال للفتح : ابغني غلاما أدفع إليه هذا السيف لا يفارقني به ، فأقبل باغر ، فقال الفتح بن خاقان : هذا موصوف بالشجاعة والبسالة ، فأعطاه السيف ، وزاد في أرزاقه . فما انتضى السيف إلا ليلة ، ضربه به باغر ( 1 ) ، فلقد رأيت من المتوكل في ليلته عجبا ، رأيته يذم الكبر ، ويتبرأ منه . ثم سجد وعفر وجهه ، ونثر التراب على رأسه ، وقال : إنما أنا عبد ، فتطيرت له ، ثم جلس ، وعمل فيه النبيذ ، وغني صوتا أعجبه ، فبكى ، فتطيرت من بكائه . فإنا في ذلك إذ بعثت له قبيحة خلعة استعملها دراعة حمراء من خز ومطرف خز ، فلبسهما ، ثم تحرك في المطرف ، فانشق ، فلفه ، وقال : اذهبوا به ليكون كفني . فقلت : إنا لله ، انقضت والله المدة . وسكر المتوكل سكرا شديدا . ومضى من الليل إذ أقبل باغر في عشرة متلثمين تبرق أسيافهم ، فهجموا علينا ، وقصدوا المتوكل ، وصعد باغر وآخر إلى السرير ، فصاح الفتح : ويلكم مولاكم . وتهارب الغلمان والجلساء والندماء ، وبقي الفتح ، فما رأيت أحدا أقوى نفسا منه ، بقي يمانعهم ، فسمعت صيحة المتوكل إذ ضربه باغر بالسيف المذكور على عاتقه ، فقده إلى خاصرته ، وبعج آخر الفتح بسيفه ، فأخرجه من ظهره ، وهو صابر لا يزول ، ثم طرح
--> ( 1 ) مترجم في " الوافي بالوفيات " 10 / 71 ، 73 .