الذهبي
مقدمة الكتاب 13
سير أعلام النبلاء
ثم لا حظنا تباينا شديدا في قيمة الانتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته ، فوجدنا الكثير من المؤلفات الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة ، ووجدنا القليل من المؤلفات التي امتازت بالأصالة والابداع والمناهج العلمية المتميزة . وقد زاد من صعوبة الابداع أن الواحد من العلماء كان يجد أمامة تراثا ضخما في الموضوع الذي يروم التأليف فيه ، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الأولين الذين لم يجابهوا مثل هذا التراث . وشهدت دمشق في هذا العصر نزاعا مذهبيا وعقائديا حادا ، كان الحكام المماليك يتدخلون فيه في كثير من الأحيان ، فيناصرون فئة على أخرى ( 1 ) . وكان الأيوبيون قبل ذلك قد عنوا عناية كبيرة بنشر مذهب الإمام الشافعي ، فأسسوا المدارس الخاصة به ، وأوقفوا عليها الوقوف ( 2 ) . وعنوا في الوقت نفسه بنشر عقيدة الأشعري ، واعتبروها السنة التي يجب اتباعها ( 3 ) . لذلك أصبحت للأشاعرة قوة عظيمة في مصر والشام . وقد أثر ذلك على المذاهب الأخرى ، فأصابها الوهن والضعف عدا الحنابلة الذين ظلوا على جانب كبير من القوة ، وكانت لهم في دمشق مجموعة من دور الحديث والمدارس ( 4 ) . وكان النزاع العقائدي بين الحنابلة والأشاعرة مضطرما ، زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد ، واعتماد الأشاعرة على الاستدلال
--> ( 1 ) ابن كثير : البداية ، 14 / 28 ، 38 ، 49 ، وابن حجر : " الدرر " 1 / 61 وغيرهما . ( 2 ) انظر التفاصيل في كتابنا : المنذري وكتابه " التكملة " ، ص 38 فما بعد . ( 3 ) وكان صلاح الدين أشعريا متعصبا كما هو معروف من سيرته . ( 4 ) انظر النعيمي : : " تنبيه الدارس " 2 / 29 126 .