الشوكاني

139

نيل الأوطار

فيه خلاف يأتي إن شاء الله . قوله : إنه لا يرد شيئا فيه إشارة إلى تعليل النهي عن النذر . وقد اختلف العلماء في هذا النهي ، فمنهم من حمله على ظاهره ، ومنهم من تأوله ، قال ابن الأثير في النهاية : تكرر النهي عن النذر في الحديث وهو تأكيد لامره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه ، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به ، إذ يصير بالنهي معصية فلا يلزم ، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك الامر لا يجر إليهم في العاجل نفعا ولا يصرف عنهم ضررا ولا يغير قضاء فقال : لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدر الله لكم أو تصرفون به عنكم ما قدره عليكم ، فإذا نذرتم فأخرجوا بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم انتهى . وقال أبو عبيد : النهي عن النذر والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثما ، ولو كان كذلك ما أمر الله تعالى أن يوفى به ولا حمد فاعله ، ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر وتغليظ أمره لئلا يستهان بشأنه فيفرط في الوفاء به ويترك القيام به . ثم استدل على الحث على الوفاء به من الكتاب والسنة ، وإلى ذلك أشار المازري بقوله : ذهب بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ في النذر قال : وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث . ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستثقلا لها لما صارت عليه ضربة لازب وكل ملزوم فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار ، ويحتمل أن يكون سببه أن الناذر لما لم يب ذل القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب ، قال : ويشير إلى هذا التأويل قوله : إنه لا يأتي بخير . وقوله : إنه لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له وهذا كالنص على هذا التعليل انتهى . والاحتمال الأول يعم أنواع النذر . والثاني يخص نوع المجازاة . وزاد القاضي عياض فقال : إن الاخبار بذلك وقع على سبيل الاعلام من أنه لا يغالب القدر ولا يأتي الخير بسببه ، والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظن بعض الجهلة ، قال : ومحصل مذهب الامام مالك أنه مباح إلا إذا كان مؤبدا لتكرره عليه في أوقات فقد يثقل عليه فعله ، فيفعله بالتكلف من غير طيبة نفس وخالص نية . قوله : إنه لا يرد شيئا يعني مما يكرهه الناذر وأوقع النذر استدفاعا له ، وأعم من هذه الرواية ما في البخاري وغيره بلفظ : إنه لا يأتي بخير فإنه قد ينظر استجلابا لنفع أو استدفاعا