الشوكاني

140

نيل الأوطار

لضرر ، والنذر لا يأتي بذلك المطلوب ، وهو الخير الكائن في النفع أو الخير الكائن في اندفاع الضرر . قال الخطابي في الاعلام : هذا باب من العلم غريب وهو أن ينهى عن فعل شئ حتى إذا فعل كان واجبا . وقد ذهب أكثر الشافعية ونقل عن نص الشافعي أن النذر مكروه ، وكذا عن المالكية وجزم الحنابلة بالكراهة . وقال النووي : إنه مستحب صرح بذلك في شرح المهذب وروي ذلك عن القاضي حسين والمتولي والغزالي ، وجزم القرطبي في المفهم بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة فقال : هذا النهي محله أن يقول مثلا : إن شفى الله مريضي فعلي صدقة . ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه بل سلك فيها مسلك المعاوضة ، ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه ، وهذه حالة البخيل فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبا ، وهذا المعنى هو المشار إليه بقوله : إنما يستخرج به من البخيل قال : وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض ، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر ، وإليهما الإشارة في الحديث بقوله : فإنه لا يرد شيئا والحالة الأولى تقارب الكفر والثانية خطأ صريح . قال الحافظ : بل تقرب من الكفر . ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة قال : والذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد فيكون إقدامه على ذلك محرما ، والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك . قال الحافظ : وهو تفصيل حسن ، ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فإنها في نذر المجازاة . وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى : * ( يوفون بالنذر ) * ( الانسان : 7 ) قال : كانوا ينذرون طاعة الله تعالى من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله تعالى أبرارا ، وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة ، وقد يشعر التعبير بالبخيل أن المنهي عنه من النذر ما فيه مال فيكون أخص من المجازاة ، لكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة كما في الحديث المشهور : البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي أخرجه النسائي وصححه ابن حبان ، أشار إلى ذلك العراقي في شرح الترمذي . وقد نقل القرطبي