الشوكاني

84

نيل الأوطار

قصة الحجاج بن علاط في استئذانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة ، وأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين . وأخرج الطبراني في الأوسط الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دين وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات : ثنتين في كتاب الله تعالى قوله : * ( إني سقيم ) * ( الصافات : 89 ) وقوله : * ( بل فعله كبيرهم هذا ) * ( الأنبياء : 63 ) وواحد في شأن سارة الحديث . قوله : فأذن لي فأقول أي أقول ما لا يحل في جانبك . قوله : عنانا بفتح العين المهملة وتشديد النون الأولى أي كلفنا بالأوامر والنواهي . وقوله : سألنا الصدقة أي طلبها منا ليضعها مواضعها . وقوله : فنكره أن ندعه إلى آخره معناه نكره فراقه . ( والحديث ) المذكور قد استدل به على جواز الكذب في الحرب ، وكذلك بوب عليه البخاري باب الكذب في الحرب . قال ابن المنير : الترجمة غير مطابقة لأن الذي وقع بينهم في قتل كعب بن الأشرف يمكن أن يكون تعريضا ، ثم ذكر أن الذي وقع في حديث الباب ليس فيه شئ من الكذب ، وأن معنى ما في الحديث هو ما ذكرناه في تفسير ألفاظه وهو صدق . قال الحافظ : والذي يظهر أنه لم يقع منهم فيما قالوه شئ من الكذب أصلا وجميع ما صد منهم تلويح كما سبق ، لكن ترجم يعني البخاري لقول محمد بن مسلمة أولا : ائذن لي أن أقول ، قال : قل ، فإنه يدخل فيه الاذن في الكذب تصريحا وتلويحا . قوله : إلا في الحرب الخ ، قال الطبري : ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الاصلاح وقالوا : إن الثلاث المذكورة كالمثال ، وقالوا : إن الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة وليس فيه مصلحة . وقال آخرون : لا يجوز الكذب في شئ مطلقا . وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض كمن يقول للظالم : دعوت لك أمس وهو يريد قوله : اللهم اغفر للمسلمين ، ويعد امرأته بعطية شئ ويريد إن قدر الله ذلك وأن يظهر من نفسه قوة قلب ، وبالأول جزم الخطابي ، وبالثاني جزم المهلب والأصيلي وغيرهما . قال النووي : الظاهر إباحة حقيقة لكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى . وقال ابن العربي : الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا انتهى . ويقوي ذلك حديث الحجاج بن علاط المذكور ، ولا يعارض ما ورد في جواز الكذب في الأمور المذكورة ما أخرجه النسائي من طريق مصعب بن سعد عن أبيه في قصة عبد الله بن أبي سرح ، وقول