الشوكاني
85
نيل الأوطار
الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كف عن بيعته : هلا أومأت إلينا بعينك ؟ قال : ما ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين . لأن طريق الجمع بينهما أن المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصة . وأما حالة المبايعة فليست بحالة حرب كذا قيل ، وتعقب بأن قصة الحجاج بن علاط أيضا لم تكن في حال حرب . قال الحافظ : والجواب المستقيم أن يقال : المنع مطلقا من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتعاطى شيئا من ذلك وإن كان مباحا لغيره ، ولا يعارض ذلك ما تقدم من أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها ، فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره ، كأن يريد أن يغزو جهة المشرق فيسأل عن أمر في جهة المغرب ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أن يريد جهة المغرب . وأما أنه يصرح بإرادته المغرب ومراده المشرق فلا . قال ابن بطال : سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال : الكذب المباح في الحرب ما يكون في المعاريض لا التصريح بالتأمين مثلا . وقال المهلب : لا يجوز الكذب الحقيقي في شئ من الدين أصلا ، قال : ومحال أن يأمر بالكذب من يقول : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، ويرده ما تقدم . قال الحافظ : واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها ، وكذا في الحزب في غير التأمين ، واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار ، كما لو قصد ظالم قتل رجل هو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم انتهى . وقال القاضي زكريا : وضابط ما يباح من الكذب وما لا يباح أن الكلام وسيلة إلى المقصود ، فكل مقصود محمود إن أمكن التوصل إليه بالصدق فالكذب فيه حرام ، وإن لم يمكن إلا بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحا ، وواجب إن كان المقصود واجبا انتهى . والحق أن الكذب حرام كله بنصوص القرآن والسنة من غير فرق بين ما كان منه في مقصد محمود أو غير محمود ، ولا يستثنى منه إلا ما خصه الدليل من الأمور المذكورة في أحاديث الباب ، نعم إن صح ما قدمنا عن الطبراني في الأوسط كان من جملة المخصصات لعموم الأدلة القاضية بالتحريم على العموم .