الشوكاني

53

نيل الأوطار

الكلام ، وفي هذا دليل على أنه يشرع للامام إذا أرسل قومه إلى قتال الكفار ونحوهم أن يوصيهم بتقوى الله وينهاهم عن المعاصي المتعلقة بالقتال كالغلول والغدر والمثلة وقتل الصبيان ، وفيه دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الاسلام قبل المقاتلة ، وفي المسألة ثلاثة مذاهب . الأول : أنه يجب تقديم الدعاء للكفار إلى الاسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم تبلغه ، وبه قال مالك والهادوية وغيرهم وظاهر الحديث معهم . والمذهب الثاني : أنه لا يجب مطلقا وسيأتي في هذا الباب دليل من قال به . المذهب الثالث : أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب . قال ابن المنذر : وهو قول جمهور أهل العلم ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه ، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث ، وقد زعم الإمام المهدي أن وجوب تقديم دعوة من لم تبلغه الدعوة مجمع عليه ، ويرد ذلك ما ذكرنا من المذاهب الثلاثة ، وقد حكاها كذلك المازري وأبو بكر بن العربي . قوله : ثم أدعهم إلى التحول فيه ترغيب الكفار بعد إجابتهم وإسلامهم إلى الهجرة إلى ديار المسلمين ، لأن الوقوف بالبادية ربما كان سببا لعدم معرفة الشريعة لقلة من فيها من أهل العلم . قوله : ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة شئ إلخ ، ظاهر هذا أنه لا يستحق من كان بالبادية ولم يهاجر نصيبا في الفئ والغنيمة إذا لم يجاهد ، وبه قال الشافعي وفرق بين مال الفئ والغنيمة وبين مال الزكاة وقال : إن للأعراب حقا في الثاني دون الأول . وذهب مالك وأبو حنيفة والهادوية إلى عدم الفرق بينهما ، وأنه يجوز صرف كل واحد منهما في مصرف الآخر . وزعم أبو عبيد أن هذا الحكم منسوخ وإنما كان في أوائل الاسلام ، وأجيب بمنع دعوى النسخ . قوله : فسلهم الجزية ظاهره عدم الفرق بين الكافر العجمي والعربي والكتابي وغير الكتابي ، وإلى ذلك ذهب مالك والأوزاعي وجماعة من أهل العلم ، وخالفهم الشافعي فقال : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس عربا كانوا أو عجما ، واستدل بقوله تعالى : * ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) * ( التوبة : 29 ) بعد ذكر أهل الكتاب . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : سنوا بهم سنة أهل الكتاب وأما سائر المشركين فهم داخلون تحت عموم : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أن الجزية لا تقبل من العربي غير الكتابي وتقبل من الكتابي ومن العجمي ، ولعله يأتي لهذا البحث