الشوكاني
175
نيل الأوطار
معه حتى قاتلهم وهزمهم أن تكون البلد فتحت عنوة ، لأن العبرة بالأصول لا بالاتباع ، وبالأكثر لا بالأقل ، كذا قال الحافظ في الفتح . ويجاب عنه بما تقدم في أول الباب من حديث أبي هريرة أن قريشا وبشت أوباشا لها وقالوا : نقدم هؤلاء الخ ، فإنه يدل على أن غير الأوباش لم يرضوا بالتأمين ، بل وقع التصريح في ذلك الحديث بأنهم قالوا : فإن كان للأوباش شئ كنا معهم ، وإن أصيبوا أعطينا الذي سألنا . ومما احتج به الشافعي ما وقع في سنن أبي داود بإسناد حسن عن جابر أنه سئل : هل غنمتم يوم الفتح شيئا ؟ قال : لا . ويجاب بأن عدم الغنيمة لا يستلزم عدم العنوة لجواز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عليهم بالأموال كما من عليهم بالأنفس حيث قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ومن أوضح الأدلة على أنها فتحت عنوة قوله صلى الله عليه وآله وسلم : وإنما أحلت لي ساعة من نهار فإن هذا تصريح بأنها أحلت له في ذلك يسفك بها الدماء وأن حرمتها ذهبت فيه وعادت بعده ، ولو كانت مفتوحة صلحا لما كان لذلك معنى يعتد به . وقد وقع في مسند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن تلك الساعة استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر واحتجت طائفة منهم الماوردي إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصة خالد بن الوليد المذكورة ، وقرر ذلك الحاكم في الإكليل وفيه جمع بين الأدلة . قال الحافظ في الفتح : والحق أن صورة فتحها كان عنوة ، ومعاملة أهلها معاملة من دخلت بأمان ، ومنع قوم منهم السهيلي ترتب عدم قسمتها وجواز بيع دورها وإجارتها على أنها فتحت صلحا . وذكر المصنف رحمه الله لحديث عائشة وحديث علقمة بن نضلة في أحاديث الباب يشعر بأنه من القائلين بالترتب ، ولا وجه لذلك لأن الامام مخير بين قسمة الأرض المغنومة بين الغانمين وبين إبقائها وقفا على المسلمين ويلزم من ذلك منع بيع دورها وإجارتها . وأيضا قد قال بعضهم : لا تدخل الأرض في حكم الأموال ، لأن من مضى كانوا أن غلبوا على الكفار لم يغنموا إلا الأموال وتنزل النار فتأكلها وتصير الأرض لهم عموما كما قال تعالى : * ( ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) * ( المائدة : 21 ) الآية . وقال تعالى : * ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) * ( الأعراف : 137 ) الآية .