الشوكاني
174
نيل الأوطار
كما تقدم في حديث أبي هريرة أن قريشا وبشت أوباشا ، فإن كان مراده بالصلح وقوع عقده فهذا لم ينفل كما قال الحافظ قال : ولا أظنه عنى إلا الاحتمال الأول ، أعني قوله : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، وتمسك أيضا من قال : إنه أمنهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصة الفتح فقال العباس لعلي : أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة يخبرهم بما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة . ثم قال في القصة بعد قصة أبي سفيان : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد وعند موسى بن عقبة في المغازي وهي أصح ما صنف في ذلك كما قال الحافظ . وروي ذلك عن الجماعة ما نصه : أن أبا سفيان وحكيم بن حزام قالا : يا رسول الله كنت حقيقا أن تجعل عدتك وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحما وأشد عداوة ، فقال : إني لأرجو أن يجمعهما الله لي فتح مكة وإعزاز الاسلام بها وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم . فقال أبو سفيان وحكيم بن حزام : فادع الناس بالأمان أرأيت إن اعتزلت قريش وكفت أيديها آمنون هم ؟ قال : من كف يده وأغلق داره فهو آمن ، قالوا : فابعثا نؤذن بذلك فيهم ، قال : فانطلقوا فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل دار حكيم فهو آمن ، ودار أبي سفيان بأعلى مكة ودار حكيم بأسفلها . فلما توجها قال العباس : يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرتد فرده حتى تريه جنود الله ، قال : افعل . فذكر القصة . وفي ذلك تصريح بعموم التأمين ، فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة . ثم قال الشافعي كانت مكة مؤمنة ولم يكن فتحها عنوة والأمان كالصلح ، وأما الذين تعرضوا للقتال والذين استثنوا من الأمان وأمر أن يقتلوا ولو تعلقوا بأستار الكعبة فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة . ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال ، وبين حديث عروة المتقدم المصرح بتأمينه صلى الله عليه وآله وسلم لهم . وكذلك حديث سعد وحديث أبي بن كعب المذكوران بأن يكون التأمين علق على شرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال ، فلما تفرقوا إلى دورهم ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك وقاتلوا خالد بن الوليد ومن