الشوكاني
60
نيل الأوطار
صح أيضا عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين ، وحجة هذا القول إنه لما كان يمينا مغلظة غلظت كفارتها . الخامس عشر : أنه طلاق ثم أنها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة فما فوقها ، وإن كانت مدخولا بها فهو ثلاث وإن نوى أقل منها ، وهو إحدى الروايتين عن مالك ، ورواه في نهاية المجتهد عن علي وزيد بن ثابت ، وحجة هذا لقول إن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يترتب عليه حكمه ، وغير المدخول بها تحرم بواحدة ، والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث . ( واعلم ) أنه قد رجح المذهب الأول من هذه المذاهب جماعة من العلماء المتأخرين ، وهذا المذهب هو الراجح عندي إذا أراد تحريم العين ، وأما إذا أراد به الطلاق فليس في الأدلة ما يدل على امتناع وقوعه به . أما قوله تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ) * ( النحل : 116 ) وكذلك قوله تعالى : * ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) * فنحن نقول بموجب ذلك ، فمن أراد تحريم عين زوجته لم تحرم ، وأما من أراد طلاقها بذلك اللفظ فليس في الأدلة ما يدل على اختصاص الطلاق بألفاظ مخصوصة وعدم جوازه بما سواها وليس في قوله تعالى : * ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد ) * ( البقرة : 230 ) ما يقضي بانحصار الفرقة في لفظ الطلاق ، وقد ورد الاذن بما عداه من ألفاظ الفرقة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لابنة الجون : إلحقي بأهلك قال ابن القيم : وقد أوقع الصحابة الطلاق بأنت حرام ، وأمرك بيدك ، واختاري ، ووهبتك لأهلك ، وأنت خلية وقد خلوت مني ، وأنت برية وقد أبرأتك ، وأنت مبرأة ، وحبلك على غاربك ، انتهى . وأيضا قال الله تعالى : * ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) * ( البقرة : 229 ) وظاهره أنه لو قال : سرحتك لكفى في إفادة معنى الطلاق . وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز التجوز لعلاقة مع قرينة في جميع الألفاظ إلا ما خص ، فما الدليل على امتناعه في باب الطلاق ؟ وأما إذا حرم الرجل على نفسه شيئا غير زوجته كالطعام والشراب فظاهر الأدلة أنه لا يحرم عليه شئ من ذلك ، لأن الله لم يجعل إليه تحريما ولا تحليلا فيكون التحريم الواقع منه لغوا ، وقد ذهب إلى مثل هذا الشافعي ، وروي عن أحمد أن عليه كفارة يمين .