الشوكاني

57

نيل الأوطار

ابن عباس فقال : إني جعلت امرأتي حراما ، قال : ليست عليك بحرام ، قال : أرأيت قول الله تعالى : * ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) * ( آل عمران : 93 ) الآية ، فقال ابن عباس : إن إسرائيل كان به عرق الإنسي فجعل على نفسه إن شفاه الله أن لا يأكل العروق من كل شئ وليست بحرام يعني على هذه الأمة . ( وقد اختلف ) العلماء فيمن حرم على نفسه شيئا ، فإن كان الزوجة فقد اختلف فيه أيضا على أقوال بلغها القرطبي المفسر إلى ثمانية عشر قولا . قال الحافظ : وزاد غيره عليها . وفي مذهب مالك فيها تفاصيل يطول استيفاؤها . قال القرطبي قال بعض علمائنا : سبب الاختلاف أنه لم يقع في القرآن صريحا ولا في السنة نص ظاهر صحيح يعتمد عليه في حكم هذه المسألة فتجاذبها العلماء ، فمن تمسك بالبراءة قال : لا يلزمه شئ ، ومن قال : إنها يمين أخذ بظاهر قوله تعالى : * ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) * ( التحريم : 2 ) بعد قوله : * ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) * ( التحريم : 1 ) ومن قال : تجب الكفارة وليست بيمين بناه على أن معناه معنى اليمين فوقعت الكفارة على المعنى . ومن قال : يقع به طلقة رجعية حمل اللفظ على أقل وجوهه الظاهرة ، وأقل ما تحرم به المرأة طلقة ما لم يرتجعها . ومن قال : بائنة فلاستمرار التحريم بها ما لم يجدد العقد . ومن قال : ثلاثا حمل اللفظ على منتهى وجوهه . ومن قال : ظهار نظر إلى معنى التحريم وقطع النظر عن الطلاق فانحصر الامر عنده في الظهار انتهى . ومن المطولين للبحث في هذه المسألة الحافظ ابن القيم فإنه تكلم عليها في الهدى كلاما طويلا وذكر ثلاثة عشر مذهبا أصولا تفرعت إلى عشرين مذهبا ، وذكر في كتابه المعروف بإعلام الموقعين خمسة عشر مذهبا وسنذكر ذلك على طريق الاختصار ونزيد عليه فوائد المذهب الأول : أن قول القائل لامرأته : أنت علي حرام لغو وباطل لا يترتب عليه شئ ، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ، وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي وداود وجميع أهل الظاهر وأكثر أصحاب الحديث ، وهو أحد قولي المالكية ، واختاره أصبغ بن الفرج منهم واستدلوا بقوله تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ) * ( التحريم : 1 ) وبقوله تعالى : * ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) * ( النحل : 116 ) وسبب نزول هذه الآية ما تقدم وبالحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وقد تقدم في كتاب الصلاة . القول الثاني : أنها ثلاث تطليقات