الشوكاني
23
نيل الأوطار
سئل عن كسب الحجام فقال : أطعمه ناضحك . وقال في مجمع الزوائد : أنه أخرج حديث محيصة المذكور أهل السنن الثلاث باختصار والطبراني في الأوسط ، قال في مجمع الزوائد أيضا : ورجال أحمد رجال الصحيح . وقال في حديث جابر الذي ذكرناه أن رجاله رجال الصحيح . قوله : البغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد الياء فعيل بمعنى فاعلة أو مفعولة وهي الزانية . ومنه قوله تعالى : * ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) * ( سورة النور ، الآية : 33 ) أي على الزنا ، وأصل البغي الطلب ، غير أنه أكثر ما يستعمل في طلب الفساد والزنا ، والمراد ما تكتسبه الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة ، وقد قدمنا في أول كتاب البيع أنه مجمع على تحريم مهر البغي . قوله : ثمن الكلب قد تقدم الكلام عليه في أول البيع ، وقد استدل بأحاديث الباب من قال بتحريم كسب الحجام وهو بعض أصحاب الحديث كما في البحر ، لأن النهي حقيقة في التحريم والخبيث حرام ، ويؤيد هذا تسمية ذلك سحتا كما في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه . وذهب الجمهور من العترة وغيرهم إلى أنه حلال واحتجوا بحديث أنس وابن عباس الآتيين ، وحملوا النهي على التنزيه لأن في كسب الحجام دناءة والله يحب معالي الأمور ، ولان الحجامة من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم للإعانة له عند الاحتياج إليها ، ويؤيد هذا إذنه صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله عن الجرة الحجامة أن يطعم منها ناضحة ورقيقه ، ولو كانت حراما لما جاز الانتفاع بها بحال . ومن أهل هذا القوم من زعم أن النهي منسوخ وجنح إلى ذلك الطحاوي ، وقد عرفت أن صحة النسخ متوقفة على العلم بتأخر الناسخ وعدم إمكان الجمع بوجه ، والأول غير ممكن هنا ، والثاني ممكن بحمل النهي على كراهة التنزيه بقرينة إذنه صلى الله عليه وآله وسلم بالانتفاع بها في بعض المنافع ، وبإعطائه صلى الله عليه وآله وسلم الاجر لمن حجمه ولو كان حراما لما مكنه منه ، ويمكن أن يحمل النهي عن كسب الحجام على ما يكتسبه من بيع الدم ، فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه ، ولا يبعد أن يشتروه للاكل فيكون ثمنه حراما ، ولكن الجمع بهذا الوجه بعيد ، فيتعين المصير إلى الجمع بالوجه الأول ، ويبقى الاشكال في صحة إطلاق اسم الخبث والسحت على المكروه تنزيها . قال في القاموس : الخبيث ضد الطيب ، وقال : السحت بالضم وبضمتين الحرام أو ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار انتهى وهذا يدل على جواز إطلاق اسم الخبث والسحت على المكاسب الدنية وإن لم تكن