السيد نعمة الله الجزائري
24
نور البراهين
وخرجنا منها وتوجهنا إلى منزل الرمل سرنا فيه ليلا وضللنا عن الطريق ، فأضاء الصبح وعلا النهار ، فبلغنا في الرمل أن لا نقدر على المشي ، ولكن نسبح به على بطوننا ، وأما الدواب فكانت تمشي والرمال تساوي ما هبط من السرج ، فأشرفنا على الهلاك ، ثم من الله علينا بالوصول إلى الطريق حتى وصلنا إلى مشهد مولانا الرضا عليه السلام . ولما أقمنا أياما ورجعنا كان رجوعنا على طريق اسفراين ، فرأينا في ذلك الطريق منازل عجيبة وأحوالات غريبة ، فلما أتيت سبزوار حصل لي بعض الألم ، فأخذت محملا على جمل ، فلما وصلت إلى أصفهان بقيت فيها مدة قليلة ، ثم سافرت إلى شوشتر ، فجعلتها دار وطن ، واتخذت فيها مساكن ، وكان بيني وبين سلطان الحويزة ودادة ومحبة ، وكان يرسل لنا في كل سنة كتابات متعددة بالقدوم إليه ، فإذا قدمنا عليه عمل معنا من الاحسان ما لا نطيق شكره ، ونحن الآن في شوشتر . وفي هذا العمر القليل قد رأينا من مصائب الزمان ما لا نقدر على بيان شرحه ، والذي سهله علينا الأخبار الواردة بابتلاء المؤمن ، وانه لو كان غريقا في البحر وهو على لوح لسلط الله عليه من يؤذيه حتى يتم ثوابه ، وكان شيخنا المجلسي أدام الله أيام عزه ومجده لا يقارب في العلم والعمل ، ومع هذا كان هدفا لسهام المصائب ، وأشد ما مر علينا من الأهوال أمور : أولها : فراق الأحباب والأصحاب . الثاني : فراق أخي وموته ، فإنه جرح القلوب جرحا لا يندمل إلى الموت والعدم . الثالث : موت الأولاد وأصعب الأمور أوسطها . الرابع : حسد العلماء وأبناء الجنس ، فإنهم حسدوني في كل بلاد أتيت إليها حتى انتهى حالهم معي في شيراز إلى أن سرقوا مني كتبا مليحة بخط يدي وقراءتي وحواشي ورموها في البئر حتى تلفت ، ثم ظهر لي الذي رماها فما كلمته كلمة واحدة ولا واجهته بشئ حتى أخلف الله تعالى على تلك الكتب وغيرها ، ولم يملك ذلك الرجل ورقة واحدة وأحوجه إلى سؤال الكفار ، وأنا أحمد الله سبحانه على أني لم أزل محسودا ولا حسدت أحدا ، وذلك أن الله وله الفضل لم يحوجني إلى الاقران والأمثال ، ولم يحط مرتبتي عن مراتبهم ، وهذا من باب إظهار فضل الله تعالى وكرمه ، وإلا فالعبد المذنب الجاني ليس له مرتبة ولا درجة .