السيد نعمة الله الجزائري

23

نور البراهين

الظهر فقطعنا الكلام ، ثم عدنا إلى المباحثة يوما آخر وكنت في بلاده ثلاثة أشهر تقريبا على هذا الحال ، فما رأيت أحدا أفهم منه ولا أفصح منه لسانا . وأما في جانب الكرم وإمداد العلماء والفقراء ، فحاله فيه مشهور ، ولما استأذنا منه على السفر إلى أصفهان أحسن الينا غاية الاحسان ، فلما سافرنا إلى أصفهان ، فانظر إلى ما جرى علي في الطريق ، وهو أننا لما وصلنا إلى منزل قبل منزل كنار سقاوه نزلنا في منزل وكان في غاية النزاهة من جهة الماء الجاري والأشجار والأنهار ، فحصل لنا نهاية الانتعاش ، فقلت في خاطري : أعوذ بالله من فرح هذا اليوم ، لأني عودت روحي أن أفرح اليوم ألقى بعده حزنا طويلا ، فلما جاء وقت الركوب ركبنا فانتهينا إلى بقعة في كنار سقاوة ، وكان معنا رفقاء يمشون وواحد منهم أطرش ، فلما تقدمنا جلس في وسط الطريق تحت صخرة ، فجئت أنا وأخي ونحن ركوب ، فلما وصلت الخيل إليه فاجأها بالقيام فنفرت ونحن لا نعلم ، فألقتني الدابة على صخرة عظيمة ، فلما أفقت رأيت أن يدي اليسرى قد عرض لها الصدع العظيم ، فأتاني الرفقاء وشدوها وبقيت إلى أصفهان كل يوم يمر علي في تلك الحال يصلح أن يكون كفارة لذنوب مائة سنة . فوصلنا إلى أصفهان وجلست في حجرتي في مدرسة ميرزا تقي دولت آبادي ، وبقيت أعالج يدي ، فبقيت مدة خمسة أشهر ، فلما صارت طيبة في الجملة عرض لي ألم في بدني ، فصرت لا أشعر ، وقد عاينت الموت ، وفي وقت معاينته كنت مسرورا به من توفيقات الله سبحانه ، فبقيت على هذا مدة . ولما شافاني الله من ذلك الألم عرض لأخي المرحوم ألم الحمى ، فبقي حتى انجر إلى الاسهال ، فمضى إلى رحمة الله تعالى ليلة الجمعة أول شهر شعبان غريبا ، فبقي ألمه في قلبي إلى هذا اليوم وإلى الموت ، والله ما أسلوه حتى انطوى تحت التراب ويحتويني الجندل ، وقد توفى تغمده الله برحمته سنة التاسعة والسبعين بعد الألف ، وهذه السنة عام التاسع والثمانين بعد الألف ، وما مضت ليلة إلا ورأيته في المنام على أحسن هيئة ، وأما في النهار فكتبه قدامي أطالع بها وأنظرها ، وكلما رأيت كتابا منها تجددت مصائبي عليه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فبقيت بعده في أصفهان حيرانا تايها في بحار الهموم ، فتفكرت وقلت : ليس لمثل هذه المصائب دواء إلا الوصول لزيارة مولاي الرضا عليه السلام ، فسافرت ، فلما وصلنا كاشان