الشيخ المحمودي
179
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
تارة يكون لتفاوت الشهوة ، إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض ، ولكن غير مقصور عليه ، فان الشاب قد يعجز عن ترك الزنى ، فإذا كبر وتم عقله قدر عليه ، وشهوة الرياء والرئاسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفا ، وقد يكون سببه التفاوت في العلم المعرف لغائلة تلك الشهوة ، ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة ، وقد لا يقدر من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا وإن كان يعتقد فيها مضرة في الجملة ، ولكن إذا كان علم الطبيب أتم كان خوفه أشد ، فيكون الخوف جندا للعقل ، وعدة في قمع الشهوة وكسرها ، وكذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من العامي ، لقوة علمه بضرر المعاصي ، وأعني به العالم الحقيقي دون أرباب الطيالسة وأصحاب الهذيان ، فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل ، وإن كان من جهة العلم فقد سمينا هذا الضرب من العلم عقلا ، فإنه يقوي غريزة العقل ، فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه ، وقد يكون بمجرد التفاوت في غريزة العقل ، فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشد . وأما القسم الثالث - وهو علوم التجارب - فتفاوت الناس فيها لا ينكر ، فإنهم يتفاوتون بكثرة الإصابة وبسرعة الادراك ، ويكون السبب في ذلك اما تفاوتا في الغريزة ، واما تفاوتا في الممارسة ، أما الأول - أعني الغريزة - فهو الأصل ، فالتفاوت فيه لا سبيل إلى انكاره ، فإنه مثل نور يشرق على النفس ، ويطلع صبحه ومبادئ اشراقه عند سن التمييز ، ثم لا يزال ينمو ويزداد نموا خفي التدريج إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة ، ومثاله نور الصبح ، فان أوائله تخفى خفاءا يشق ادراكه ، ثم يتدرج إلى الزيادة إلى أن يتكامل بطلوع قرص الشمس ، وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور الشمس فالفرق يدرك بين الأعمش وبين الحاد البصر ، بل سنة الله جارية في جميع