الشيخ المحمودي
180
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
خلقه بالتدريج في الايجاد ، حتى أن غريزة الشهوة لا ترتكز في الصبي عند البلوغ دفعة وبغتة واحدة ، بل تظهر شيئا فشيئا على التدريج ، وكذا جميع القوى والصفات . ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة فكأنه منخلع عن ربقة العقل . ومن ظن أن عقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل عقل آحاد السواد وأجلاف البوادي فهو أخس في نفسه من آحاد السواد ، وكيف ينكر تفاوت الغريزة ، ولولاه لما اختلف الناس فلي فهم العلوم ، ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم بالتفهيم الا بعد تعب طويل من المعلم ، والى ذكي يفهم بأدنى رمز وإشارة ، والى كامل ينبعث من نفسه حقائق الأمور من دون تعليم ( يكاد ) زيتها يضئ ولو لم تمسه نار ، نور على نور ) وذلك مثل الأنبياء عليهم السلام ، إذ يتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير تعلم وسماع ، ويعبر عن ذلك بالالهام ، وعن مثله عبر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : ( ان روح القدس نفث في روعي : احبب ما أحببت فإنك مفارقة ، وعش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك تلاقيه ) ( 31 ) . وهذا النمط من تعريف الملائكة للأنبياء عليهم السلام يخالف الوحي الصريح الذي هو سماع للصوت بحاسة الاذن ، ومشاهدة الملك بحاسة البصر ، ولذلك اخبر عن هذا بالنفث في الروع . وانقسام الناس إلى من يتنبه من نفسه ويفهم ، والى من لا يفهم الا بتنبيه وتعليم ، والى من لا ينفعه التعلم أيضا ولا التعليم ، كانقسام الأرض إلى
--> ( 31 ) وفى بعض النسخ : ( فإنك مجزي به ) وهذا الحديث مروي من طريقنا - وليس ببالي الان موضع ذكره - ومن طريق العامة حكي عن الشيرازي في الألقاب من حديث سهل بن سعد ، وعن الطبراني في الأوسط والأصغر من حديث علي عليه السلام .