الشيخ المحمودي

323

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

الا على الله رزقها " . وأجابت المعتزلة عن الحديث بالطعن في سنده تارة ، وبالتأويل على تقدير صحته أخرى ، وتأويله ان اطلاق الرزق على الحرام لمشاكلة قوله : فلا أراني ارزق ، كقوله : تعالى : ومكروا ومكرا الله ، وباب المشاكلة وإن كان نوعا من المجاز ، لكنه وسع كثير الورود في القرآن والحديث ، فاش في نظم البلغاء ونثرهم . وعن قولهم : لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا ، بأن مادة النقض لابد وأن تكون متحققة ، وليس الامر كذلك إذ لا يتصور حيوان كذلك ، اما غير الانسان فلانه لا يتصور بالنسبة إليه حل ولا حرمة ، وأما الانسان فلو لم يكن يأكل من الحلال الا مدة عدم التكليف لكفى في دفع النقض ( 101 ) . وأيضا فالرزق أعم من الغذاء باجماع المعتزلة وجمهور الأشاعرة ، ولا يشترط الانتفاع به بالفعل ، فالنقض بالمتغذي طول عمره بالحرام إنما يرد لو لم ينتفع مدة عمره بشئ انتفاعا محللا ، ولا يشرب الماء ولا يتنفس في الهواء ، بل ولا تمكن من الانتفاع بذلك أصلا ، وظاهر ان هذا مما لا يوجد . وللمعتزلة أن يقولوا أيضا : لو مات حيوان قبل ان يتناول شيئا -

--> ( 101 ) وبعبارة واضحة : اعمال الانسان - ومنها تغذيه - قبل البلوغ بحسب الحكم الشرعي كأعمال الحيوان لا تتصف بالإباحة ولا الحرمة ولا غيرهما من الأحكام الخمسة ، فلا يتصور بالنسبة إلى الصبيان وغير البالغين التغذي بالحرام ، واما بعد البلوغ فلانه بعد ما كان الرزق أعم من الغذاء باتفاق المعتزلة والأشاعرة يشمل التنفس في الهواء ، ومعلوم انه مباح في حقه قطعا فلم يوجد حيوان لا رزق له الا الحرام طول عمره ، ويوضحه انه لو مات انسان قبل ان يأكل شيئا ، لزم أن يكون غير مرزوق ، فما هو جواب الأشاعرة فهو جواب المعتزلة .