الشوكاني
163
نيل الأوطار
أحياء وأمواتا لاجماع العلماء على جواز ذلك ، وذكر مساوي الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم . قال ابن بطال : سب الأموات يجري مجرى الغيبة ، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة ، فالاغتياب له ممنوع ، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له ، وكذلك الميت انتهى . ويتعقب بأن ذكر الرجل بما فيه حال حياته قد يكون لقصد زجره وردعه عن المعصية ، أو لقصد تحذير الناس منه وتنفيرهم ، وبعد موته قد أفضى إلى ما قدم فلا سواء ، وقد عملت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي ، فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه ، كما روى ذلك عنها عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة ، ورواه ابن حبان من وجه آخر وصححه ، والمتحري لدينه في اشتغاله بعيوب نفسه ما يشغله عن نشر مثالب الأموات وسب من لا يدري كيف حاله عند بارئ البريات ، ولا ريب أن تمزيق عرض من قدم على من قدم وجثا بين يدي من هو بما تكنه الضمائر أعلم ، مع عدم ما يحمل على ذلك من جرح أو نحوه أحموقة لا تقع لمتيقظ ، ولا يصاب بمثلها متدين بمذهب ، ونسأل الله السلامة بالحسنات ، ويتضاعف عند وبيل عقابها الحسرات ، اللهم اغفر لنا تفلتات اللسان والقلم في هذه الشعاب والهضاب ، وجنبنا عن سلوك هذه المسالك التي هي في الحقيقة مهالك ذوي الألباب . قوله : فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا أي وصلوا إلى ما عملوا من خير وشر ، والربط بهذه العلة من مقتضيات الحمل على العموم . قوله : فتؤذوا الاحياء أي فيتسبب عن سبهم أذية الاحياء من قراباتهم ، ولا يدل هذا على جواز سب الأموات عند عدم تأذي الاحياء ، كمن لا قرابة له أو كانوا ، ولكن لا يبلغهم ذلك ، لان سب الأموات منهي عنه للعلة المتقدمة ، ولكونه من الغيبة التي وردت الأحاديث بتحريمها ، فإن كان سببا لأذية الاحياء فيكون محرما من جهتين ، وإلا كان محرما من جهة . وقد أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اذكروا محاسن أمواتكم وكفوا عن مساويهم وفي إسناده عمران بن أنس المكي وهو منكر الحديث ، كما قال البخاري . وقال العقيلي : لا يتابع على حديثه . وقال الكرابيسي : حديثه ليس بالمعروف . وأخرجه أبو داود عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه وقد سكت أبو داود والمنذري عن الكلام على هذا الحديث .