الشوكاني

159

نيل الأوطار

المذهب المشهور الذي عليه الجمهور ، فلا وجه لما وقع من رد الأحاديث بهذا العموم ، ولا ملجئ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المستبعدة باعتبار الآية . وأما ما روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ذلك في الكافر أو في يهودية معينة فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة ، لأن روايتهم مشتملة على زيادة ، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يوجب نفي الحكم عن بقية الافراد لما تقرر في الأصول من عدم صحة التخصيص بموافق العام ، والأحاديث التي ذكر فيها تعذيب مختص بالبرزخ أو بالتألم أو بالاستعبار كما في حديث قيلة لا تدل على اختصاص التعذيب المطلق في الأحاديث بنوع منها ، لأن التنصيص على ثبوت الحكم لشئ بدون مشعر بالاختصاص به لا ينافي ثبوته لغيره ، فلا إشكال من هذه الحيثية ، وإنما الاشكال في التعذيب بلا ذنب ، وهو مخالف لعدل الله وحكمته على فرض عدم حصول سبب من الأسباب التي يحسن عندها في مقتضى الحكمة ، كالوصية من الميت بالنوح ، وإهمال نهيهم عنه ، والرضا به ، وهذا يؤول إلى مسألة التحسين والتقبيح ، والخلاف فيها بين طوائف المتكلمين معروف ، ونقول : ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فسمعنا وأطعنا ولا نزيد على هذا . ( واعلم ) أن النووي حكى إجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين . وعن أبي مالك الأشعري : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة ، وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب رواه أحمد ومسلم . وعن أبي موسى : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الميت يعذب ببكاء الحي ، إذا قالت النائحة : وا عضداه وا ناصراه وا كاسباه جبذ الميت وقيل له : أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها رواه أحمد . وفي لفظ : ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول : وا جبلاه وا سنداه أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت رواه الترمذي . وعن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي