الشوكاني

154

نيل الأوطار

وابن حبان بلفظ : مر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجنازة فانتهرهن عمر ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : دعهن يا ابن الخطاب ، فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب وحديث بريدة عند مسلم في زيارته صلى الله عليه وآله وسلم قبر أمه وسيأتي . وحديث أنس عند الشيخين : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذرفت عيناه لما جعل ابنه إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه فقيل له في ذلك فقال : إنها رحمة ، ثم قال : العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وهو عند الترمذي من حديث جابر بلفظ : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق به إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه ، فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعه في حجره فبكى ، فقال له عبد الرحمن : أتبكي ؟ أو لم تكن نهيت عن البكاء ؟ فقال : لا ، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند مصيبة خمش وجوه ، وشق جيوب ، ورنة شيطان الحديث ، قال الترمذي : حسن ، فيجمع بين الأحاديث بحمل النهي عن البكاء مطلقا ومقيدا ببعد الموت على البكاء المفضي إلى ما لا يجوز زمن النوح والصراخ وغير ذلك ، والاذن به على مجرد البكاء الذي هو دمع العين ، وما لا يمكن دفعه من الصوت ، وقد أرشد إلى هذا الجمع قوله : ولكن نهيت عن صوتين الخ ، وقوله في حديث ابن عباس المتقدم : إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز وجل ومن الرحمة . وقوله في حديث ابن عمر السابق : إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب فيكون معنى قوله : لا يبكين على هالك بعد اليوم . وقوله : فإذا وجب فلا تبكين باكية النهي عن البكاء الذي يصحبه شئ مما حرمه الشارع ، وقيل : إنه يجمع بأن الاذن بالبكاء قبل الموت والنهي عنه بعده ، ويرد بحديث أبي هريرة المذكور قريبا ، وبحديث عائشة الذي ذكره المصنف . وبحديث بريدة في قصة زيارته صلى الله عليه وآله وسلم لامه . وبحديث جابر وابن عباس المذكورين في أول الباب . وقيل : إنه يجمع بحمل أحاديث النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة ، وقد تمسك بذلك الشافعي فحكى عنه كراهة البكاء بعد الموت ، والجمع الذي ذكرناه أولا هو الراجح . قوله : قالوا وما الوجوب الخ في رواية لأحمد : أن بعض رواة الحديث قالوا : الوجوب إذا دخل قبره ، والتفسير المرفوع أصح وأرجح .