الشوكاني
123
نيل الأوطار
أبي داود والترمذي وابن ماجة والبزار : أن يهوديا قال : لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوم للجنازة هكذا يفعل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اجلسوا وخالفوهم وفي إسناده بشر بن رافع وليس بالقوي كما قال الترمذي . وقال البزار : تفرد به بشر وهو لين . قال الترمذي : حديث عبادة غريب . وقال أبو بكر الهمداني : ولو صح لكان صريحا في النسخ ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الاسناد ، وقد تمسك بهذه الأحاديث من قال : إن القيام للجنازة منسوخ ، وقد تقد ذكرهم . قال القاضي عياض : ذهب جمع من السلف إلى أن الامر بالقيام منسوخ بحديث علي هذا ، وتعقبه النووي بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع وهو ههنا ممكن . ( واعلم ) أن حديث علي باللفظ الذي سبق في الباب الأول لا يدل على النسخ لما عرفناك من أن فعله لا ينسخ القول الخاص بالأمة . وأما حديثه باللفظ الذي ذكره هنا فإن صح صلح النسخ لقوله فيه : وأمرنا بالجلوس ولكنه لم يخرج هذه الزيادة مسلم ولا الترمذي ولا أبو داود ، بل اقتصروا على قوله : ثم قعد . وأما حديث ابن عباس فكذلك أيضا لا يدل على النسخ لما عرفت . وأما حديث عبادة بن الصامت فهو صريح في النسخ لولا ضعف إسناده ، فلا ينبغي أن يستند في نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من طريق جماعة من الصحابة إلى مثله ، بل المتحتم الاخذ بها واعتقاد مشروعيتها ، حتى يصح ناسخ صحيح ، ولا يكون الامر بالجلوس ، أو نهي عن القيام ، أو إخبار من الشارع ، بأن تلك السنة منسوخة بكذا ، واقتصار جمهور المخرجين لحديث علي عليه السلام وحفاظهم على مجرد القعود بدون ذكر زيادة الامر بالجلوس ، مما يوجب عدم الاطمئنان إليها والتمسك بها في النسخ لما هو من الصحة في الغاية ، لا سيما بعد أن شد من عضدها عمل جماعة من الصحابة بها يبعد كل البعد أن يخفى على مثلهم الناسخ ، ووقوع ذلك منهم بعد عصر النبوة . ويمكن أن يقال : إن الامر بالجلوس لا يعارض بفعل بعض الصحابة بعد أيام النبوة ، لأن من علم حجة علي من لم يعلم . وحديث عبادة وإن كان ضعيفا فهو لا يقصر عن كونه شاهدا لحديث الامر بالجلوس .