الشوكاني
12
نيل الأوطار
من الفريقين رواه مسلم . وفي لفظ : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع من الأحزاب قال : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي لم يرد ذلك منا ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعنف واحدا منهم رواه البخاري . قوله : لا يصلين أحد العصر في رواية لمسلم عن عبد الله محمد بن أسماء شيخ البخاري في هذا الحديث الظهر . وقد بين في الفتح في كتاب المغازي ما هو الصواب . قوله : فما عنف واحدا فيه دليل على أن كل مجتهد مصيب ( والحديث ) استدل به البخاري وغيره على جواز الصلاة بالايماء وحال الركوب . قال ابن بطال : لو وجد في بعض طرق الحديث أن الذين صلوا في الطريق صلوا ركبانا لكان بينا في الاستدلال ، وان لم يوجد ذلك فالاستدلال يكون بالقياس ، يعني أنه كما ساغ لأولئك أن يؤخروا الصلاة عن وقتها المفترض ، كذلك يسوغ للطالب ترك ، إتمام الأركان والانتقال إلى الايماء . قال ابن المنير : والأبين عندي أن وجه الاستدلال من جهة أن الاستعجال المأمور به يقتضي ترك الصلاة أصلا كما جرى لبعضهم ، أو الصلاة على الدواب كما وقع لآخرين ، لأن النزول ينافي مقصود الجد في الوصول ، فالأولون بنوا على أن النزول معصية بمعارضته للامر الخاص بالاسراع ، وكان تأخيرهم لها لوجود المعارض ، والآخرون جمعوا بين دليلي وجوب الاسراع ووجوب الصلاة في وقتها فصلوا ركبانا ، فلو فرضنا أنهم نزلوا لكان ذلك مضادة للامر بالاسراع وهو لا يظن بهم لما فيه من المخالفة ، وهذا الذي حاوله ابن المنير قد أشار إليه ابن بطال بقوله : لو وجد في بعض طرق الحديث إلى آخره ، فلم يستحسن الجزم في النقل بالاحتمال . وأما قوله له ، لا يظن بهم المخالفة فمعترض بمثله بأن يقال لا يظن بهم المخالفة بتغيير هيئة الصلاة بغير توقيف وقال الحافظ : والأولى ما قال ابن المرابط ، ووافقه الزين بن المنير أن وجه الاستدلال منه بطريق الأولوية ، لأن الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة لم يعنفوا مع كونهم فوتوا الوقت ، وصلاة من لا يفوت الوقت بالايماء أو كيفما يمكن أولى من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها .