الشيخ المحمودي
68
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
حتى الرعاة ، فلما بلغه إنه محصور قال : ( العير يضرط والمكواة في النار ) ( 20 ) ثم بلغه قتله فقال : أنا أبو عبد الله إني إذا حككت قرحة أدميتها - أو قال : نكأتها - . ثم دعا ابنيه عبد الله ومحمدا فقال : ما تريان ؟ فقال له عبد الله : قد سلم [ لك ] دينك وعرضك إلى اليوم ، فأقعد بمكانك . وقال له محمد بن عمرو أخملت نفسك وأمط ذكرك فانهض مع الناس في أمرهم هذا ، ولا ترض بالدنية في العرب ، فدعا [ عمرو ] وردان مولاه فأمره بأعداد ما يحتاج إليه ، وشخص إلى معاوية ، فكان معه [ وهو ] لا يشركه في أمره ، فقال له [ عمرو : ] إني قصدت إليك وأنا أعرف موضع الحق ، لتجعل لي في أمرك هذا حظأ إذا بلغت إرادتك ، ولأن تشركني في الرأي والتدبير . فقال له [ معاوية ] : نعم ونعمت عين قد جعلت لك ولاية مصر ( 21 ) فلما خرج من عند معاوية قال لأبنيه : قد جعل لي ولاية مصر . فقال له محمد ابنه : وما مصر في سلطان العرب ؟ فقال : لا أشبع الله بطن من لم تشبعه مصر .
--> ( 20 ) هذه من الأمثلة الشائعة بين العرب تضرب لمن يجزع ويضطرب قبل وقوع ما يتوقعه من المكاره والشدائد ، ومثله في اللغة الفارسية قولهم : ( بيش أز مرگ وا ويلاه ميكند ) . وهذا مذموم ومورد استعجاب صدوره من الأكابر ، وذلك لأن العير - وهو الإبل أو الحمار - إذا يداوي جرحه بالكي فبمجرد وصول المكواة إلى الجراحة وإحساس شدة حرارة المكواة تختل ما سكته فيضرط ويخرج ما في جوفه من الأرياح وأما قبل الكي وفي حال كون المكواة في النار فإنه يضبط نفسه ، بخلاف الإنسان الجزوع الجبان فإنه يجود بنفسه وتختل قواه وحسه بمجرد وضع المكواة في النار كي يكوى بها . ( 21 ) قد عرفت وستعرف أيضا إنه لم يجبه إلى إعطاء مسؤوله إلا بعد تشاح ومكايدة كل منهما لصاحبه ، ففي العبارة تسامح .