الشيخ المحمودي

256

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

من القوم اليوم الا ما دعاهم إليه أمس ، ولو رده عليهم كنتم له أعنت ، ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه أو مستدرج بغرور ( 6 ) فما بيننا وبين من طغى علينا إلا السيف . ثم قام خالد بن المعمر فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا والله ما اخترنا هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا ، غير أنا جعلناه ذخرا وقلنا : أحب الأمور إلينا ما كفينا مؤنته فأما إذ سبقنا في المقام فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك إليه القوم ان رأيت ذلك ، فإن لم تره فرأيك أفضل . ثم إن الحضين الربعي - وهو أصغر القوم سنا - قام فقال : أيها الناس إنما بني هذا الدين على التسليم فلا توفروه بالقياس ولا تهدموه بالشفقة ، فانا والله لو أنا لا نقبل الا ما نعرف لأصبح الحق في أيدينا قليلا ، ولو تركنا ما لا نهوي لكان الباطل في أيدينا كثيرا ، وإن لنا داعيا قد حمدنا ورده وصدره ( 7 ) وهو المصدق على ما قال المأمون على ما فعل ، فإن قال : لا . قلنا : لا . وإن قال : نعم . قلنا : نعم ! ! ! فلما ظهر قول حضين رمته بكر بن وائل بالعداوة ! ! وقال رفاعة بن شداد البجلي : أيها الناس إنه لا يفوتنا شئ من حقنا ، وقد دعونا في آخر أمرنا إلى ما دعوناهم إليه في أوله ، وقد قبلوه من حيث لا يعقلون فإن يتم الأمر على ما نريد فبعد بلاء وقتل ، وإلا أثرناها جذعة وقد رجع إليه جدنا .

--> ( 6 ) لا يلحد : لا يطعن ولا يجادل ولا يماري . و ( راجع إلى عقيبه ) كناية عن الرجوع إلى الآراء الجاهلية سريعا . و ( مستدرج بغرور ) أي من يؤخذ درجة بعد درجة ، وشيئا بعد شئ في غروره ولعله إشارة إلى قوله تعالى : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) . ( 7 ) كناية عن كونه مصيبا في جميع ما يأتي ويذر ، وفي كل حالاته .