الشوكاني

85

نيل الأوطار

ما منعكما أن تصليا معنا ؟ فقالا : قد صلينا في رحالنا ، فقال : إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة . وكانت تلك الصلاة صلاة الصبح كما سيأتي يصلح لأن يكون من جملة المخصصات لعموم الأحاديث القاضية بالكراهة ، وكذلك ركعتا الطواف ، وسيأتي تحقيق هذا في باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ، وباب الرخصة في إعادة الجماعة وركعتي الطواف . وبهذا التقرير يعلم أن فعل تحية المسجد في الأوقات المكروهة وتركها لا يخلو عند القائل بوجوبها من إشكال ، والمقام عندي من المضايق ، والأولى للمتورع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة . قوله في حديث الباب : فلا يجلس قال الحافظ : صرح جماعة بأنه إذا خالف وجلس لا يشرع له التدارك ، قال : وفيه نظر لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أركعت ركعتين ؟ قال : لا ، قال : قم فاركعهما . ومثله قصة سليك المتقدم ذكرها ، وسيأتي ذكرها في أبواب الجمعة . وقال الطبري : يحتمل أن يقال : وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة ، وبعده وقت جواز ، أو يقال : وقتهما قبله أداء وبعده قضاء . قال الحافظ : ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل ، وظاهر التعليق بالجلوس أنه ينتفي النهي بانتفائه ، فلا يلزم التحية من دخل المسجد ولم يجلس ، ذكر معنى ذلك ابن دقيق العيد وتعقب بأن الجلوس نفسه ليس هو المقصود بالتعليق عليه ، بل المقصود الحصول في بقعته ، واستدل على ذلك بما عند أبي داود بلفظ : ثم ليقعد بعد إن شاء أو ليذهب لحاجته إن شاء . والظاهر ما ذكره ابن دقيق العيد . قوله : حتى يصلي ركعتين قال الحافظ في الفتح : هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق ، واختلف في أقله والصحيح اعتباره ، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين انتهى . وظاهر الحديث أن التحية مشروعة وإن تكرر الدخول إلى المسجد ، ولا وجه لما قاله البعض من عدم التكرر قياسا على المترددين إلى مكة في سقوط الاحرام عليهم . ( فائدة ) ذكر ابن القيم أن تحية المسجد الحرام الطواف لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدأ فيه بالطواف ، وتعقب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يجلس ، إذ التحية إنما تشرع لمن جلس كما تقدم ، والداخل إلى المسجد الحرام يبدأ بالطواف ثم يصلي صلاة المقام ، فلا يجلس إلا وقد صلى ، فأما لو دخل المسجد الحرام وأراد القعود قبل الطواف فإنه يشرع له أن يصلي التحية . ومن جملة ما استثني من عموم التحية دخول المسجد لصلاة العيد ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها ، وتعقب بأنه صلى الله عليه