الشوكاني
84
نيل الأوطار
الشريعة قد بلغت أضعاف أضعاف تلك الأمور ، فكان اللازم باطلا بالضرورة الدينية وإجماع الأمة ، ويجاب ثانيا بأن قوله : إلا أن تطوع ينفي وجوب الواجبات ابتداء ، لا الواجبات بأسباب يختار المكلف فعلها كدخول المسجد مثلا ، لأن الداخل ألزم نفسه الصلاة بالدخول فكأنه أوجبها على نفسه ، فلا يصح شمول ذلك الصارف لمثلها . ويجاب ثالثا بأن جماعة من المتمسكين بحديث ضمام ابن ثعلبة في صرف الامر بتحية المسجد إلى الندب قد قالوا بوجوب صلوات خارجة عن الخمس ، كالجنازة ، وركعتي الطواف ، والعيدين ، والجمعة ، فما هو جوابهم في إيجاب هذه الصلوات ؟ فهو جواب الموجبين لتحية المسجد . ( لا يقال ) الجمعة داخلة في الخمس لأنها بدل عن الظهر . لأنا نقول : لو كانت كذلك لم يقع النزاع في وجوبها على الأعيان ، ولا احتيج إلى الاستدلال لذلك ، إذا عرفت هذا لاح لك أن الظاهر ما قاله أهل الظاهر من الوجوب . ( والحديث ) يدل على مشروعية التحية في جميع الأوقات ، وإلى ذلك ذهب جماعة من العلماء منهم الشافعية ، وكرهها أبو حنيفة والأوزاعي والليث في وقت النهي ، وأجاب الأولون بأن النهي إنما هو عما لا سبب له ، واستدلوا بأنه ( ص ) صلى بعد العصر ركعتي الظهر ، وصلى ذات السبب ، ولم يترك التحية في حال من الأحوال ، بل أمر الذي دخل المسجد وهو يخطب فجلس قبل أن يركع أن يقوم فيركع ركعتين ، مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحية ، ولان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع خطبته وأمره أن يصلي التحية ، فلولا شدة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم هذا الاهتمام ، ذكر معنى ذلك النووي في شرح مسلم . والتحقيق أنه قد تعارض في المقام عمومات النهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة من غير تفصيل ، والامر للداخل بصلاة التحية من غير تفصيل ، فتخصيص أحد العمومين بالآخر تحكم ، وكذلك ترجيح أحدهما على الآخر ، مع كون كل واحد منهما في الصحيحين بطرق متعددة ، ومع اشتمال كل واحد منهما على النهي أو النفي الذي في معناه ، ولكنه إذا ورد ما يقضي بتخصيص أحد العمومين عمل عليه ، وصلاته صلى الله عليه وآله وسلم سنة الظهر بعد العصر مختص به ، لما ثبت عند أحمد وغيره ممن قدمنا ذكرهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قالت له أم سلمة : أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : لا ولو سلم عدم الاختصاص لما كان في ذلك إلا جواز قضاء سنة الظهر لا جواز جميع ذوات الأسباب ، نعم حديث يزيد بن الأسود الذي سيأتي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجلين :