الشوكاني

326

نيل الأوطار

أن الخطبة شأنها البسط والايضاح واجتناب الإشارات والرموز ، قال : ولهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه ، قال : وإنما ثني الضمير في قوله : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما لأنه ليس خطبة وعظ ، وإنما هو تعليم حكم ، فكل ما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه ، بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها ، وإنما يراد الاتعاظ بها ، ولكنه يرد عليه أنه قد وقع الجمع بين الضميرين منه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الباب ، وهو وارد في الخطبة لا في تعليم الاحكام . وقال القاضي عياض وجماعة من العلماء : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أنكر على الخطيب تشريكه في الضمير المقتضي للتسوية ، وأمره بالعطف تعظيما لله تعالى بتقديم اسمه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الآخر : لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ليقل ما شاء الله ثم ما شاء فلان . ويرد على هذا ما قد من جمعه صلى الله عليه وآله وسلم بين ضمير الله وضميره ، ويمكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أنكر على ذلك الخطيب التشريك لأنه فهم منه اعتقاد التسوية ، فنبهه على خلاف معتقده ، وأمره بتقديم اسم الله تعالى على اسم رسوله ، ليعلم بذلك فساد ما اعتقده . قوله : فقد غوى بفتح الواو وكسرها والصواب الفتح كما في شرح مسلم ، وهو من الغي وهو الانهماك في الشر . ( وقد اختلف ) أهل العلم في حكم خطبة الجمعة ، فذهبت العترة والشافعي وأبو حنيفة ومالك إلى الوجوب ، ونسبه القاضي عياض إلى عامة العلماء ، واستدلوا على الوجوب بما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم بالأحاديث الصحيحة ثبوتا مستمرا أنه كان يخطب في كل جمعة ، وقد عرفت غير مرة أن مجرد الفعل لا يفيد الوجوب ، واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي وهو مع كونه غير صالح للاستدلال به على الوجوب لما قدمنا في أبواب صفة الصلاة ، ليس فيه إلا الامر بإيقاع الصلاة ، على الصفة التي كان يوقعها عليها ، والخطبة ليست بصلاة ، واستدلوا أيضا بقوله تعالى : * ( فاسعوا إلى ذكر الله ) * ( ق : 1 ) وفعله للخطبة بيان للمجمل ، وبيان المجمل الواجب واجب ، ورد بأن الواجب بالامر هو السعي فقط ، وتعقب بأن السعي ليس مأمورا به لذاته بل لمتعلقه وهو الذكر ، ويتعقب هذا التعقب بأن الذكر المأمور بالسعي إليه هو الصلاة غاية الأمر أنه متردد بينها وبين الخطبة ، وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة والنزاع في وجوب الخطبة ، فلا ينتهض هذا الدليل