الشوكاني

327

نيل الأوطار

للوجوب ، فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود الظاهري والجويني من أن الخطبة مندوبة فقط ، وأما الاستدلال للوجوب بحديث أبي هريرة المذكور وفي أول الباب ، وبحديثه أيضا عند البيهقي في دلائل النبوة مرفوعا حكاية عن الله تعالى بلفظ : وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي فوهم لأن غاية الأول عدم قبول الخطبة التي لأحمد فيها ، وغاية الثاني عدم جواز خطبة لا شهادة فيها بأنه صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله ورسوله ، والقبول والجواز وعدمهما لا ملازمة بينها وبين الوجوب قطعا . وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب قائما ، ويجلس بين الخطبتين ، ويقرأ آيات ، ويذكر الناس رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي . قوله : يخطب قائما فيه أن القيام حال الخطبة مشروع ، وسيأتي الخلاف في حكمه . قوله : ويجلس بين الخطبتين . فيه مشروعية الجلوس بين الخطبتين ، واختلف في وجوبه ، فذهب الشافعي والامام يحيى إلى وجوبه ، وذهب الجمهور إلى أنه غير واجب . استدل من أوجب ذلك بفعله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله : صلوا كما رأيتموني أصلي وقد قدمنا الجواب عن مثل هذا الاستدلال ، وأنه غير صالح لاثبات الوجوب . قوله : بين الخطبتين فيه أن المشروع خطبتان ، وقد ذهب إلى وجوبهما العترة والشافعي ، وحكى العراقي في شرح الترمذي عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنبل في رواية أن الواجب خطبة واحدة قال : وإليه ذهب جمهور العلماء ، ولم يستدل من قال بالوجوب إلا بمجرد الفعل مع قوله : صلوا كما رأيتموني الحديث . وقد عرفت أن ذلك لا ينتهض لاثبات الوجوب . قوله : ويقرأ آيات ويذكر الناس استدل به على مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة ، وقد ذهب الشافعي إلى وجوب الوعظ وقراءة آية ، وإلى ذلك ذهب الامام يحيى ولكنه قال : تجب قراءة سورة ، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب وهو الحق . وعنه أيضا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنه كان لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات رواه أبو داود . الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وهو من رواية شيبان بن عبد الرحمن