الشوكاني

293

نيل الأوطار

بها ، فقيل : إنها ما يتبادر إلى الذهن من العرف فيها ، قال في الفتح : وفيه نظر ، إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الامر في اليوم الشاتي والصائف ، لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات ، وفي الطول إلى أربع عشرة ساعة ، وهذا الاشكال للقفال ، وأجاب عنه القاضي حسين من أصحاب الشافعي بأن المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول والقصر ، فالنهار ثنتا عشرة ساعة لكن يزيد كل منها وينقص ، والليل كذلك ، وهذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات ، وتلك التعديلية . وقد روى أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث جابر مرفوعا : يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة قال الحافظ : وهذا وإن لم يرد في حديث التبكير فيستأنس به في المراد بالساعات . وقيل : المراد بالساعات بيان مراتب التبكير من أول النهار إلى الزوال ، وأنها تنقسم إلى خمس ، وتجاسر الغزالي فقسمها برأيه فقال : الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، والثانية إلى ارتفاعها ، والثالثة إلى انبساطها ، والرابعة إلى أن ترمض الاقدام ، والخامسة إلى الزوال . واعترضه ابن دقيق العيد بأن الرد إلى الساعات المعروفة أولى ، وإلا لم يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى ، لأن المراتب متفاوتة جدا . وقيل : المراد بالساعات خمس لحظات لطيفة ، أو لها زوال الشمس ، وآخرها قعود الخطيب على المنبر ، روي ذلك عن المالكية . واستدلوا على ذلك بأن الساعة تطلق على جزء من الزمان غير محدود ، وقالوا : الرواح لا يكون إلا من بعد الزوال ، وقد أنكر الأزهري على من زعم أن الرواح لا يكون إلا من بعد الزوال ، ونقل أن العرب تقول : راح في جميع الأوقات بمعنى ذهب ، قال : وهي لغة أهل الحجاز ، ونقل أبو عبيد في الغريبين نحوه . وفيه رد على الزين بن المنير حيث أطلق أن الرواح لا يستعمل في المضي في أول النهار بوجه ، وحيث قال : إن استعمال الرواح بمعنى الغدو لم يسمع ولا ثبت ما يدل عليه ، وقد روي الحديث بلفظ غدا مكان راح . وبلفظ المتعجل إلى الجمعة قال الحافظ : ومجموع الروايات يدل على أن المراد بالرواح الذهاب ، وما ذكرته المالكية أقرب إلى الصواب ، لأن الساعة في لسان الشارع وأهل اللغة الجزء من أجزاء الزمان كما في كتب اللغة ، ويؤيد ذلك أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه ذهب إلى الجمعة قبل طلوع الشمس أو عند انبساطها ، ولو كانت الساعة هي المعروفة عند أهل الفلك لما ترك الصحابة الذين هم خير القرون ، وأسرع الناس إلى موجبات الأجور الذهاب إلى الجمعة في الساعة الأولى من أول النهار أو الثانية أو الثالثة ، فالواجب حمل كلام الشارع على لسان قومه إلا أن يثبت